تحت شعار إصلاح النظام الفلسطيني ودمقرطته، وبضغوط دولية ظاهرة اضطلع بها الأميركيون والأوروبيون ورحبت بها تل أبيب، استحدث منصب رئاسة وزارة السلطة الفلسطينية.

وقتذاك، في ربيع 2003، قيل أن هذا «الاختراع» هو الحل العبقري لتجفيف مصادر قوة الزعيم ياسر عرفات وسيطرته بإحالة كثير من صلاحياته إلى صاحب المقام الرفيع الجديد. وقد استبشر الداعون إلى تقاعد عرفات والتخلص من مناوراته ومراوحاته بين عهدي الثورة والدولة، حين أنيط هذا المقام بمحمود عباس (أبو مازن) الأكثر وضوحاً ومرونة وواقعية سياسية؛ الرافض جهرة للكفاح المسلح والانتفاضة العنيفة، وأهم أبطال اتفاق أوسلو بعجره وبجره .

وللحقيقة، أظهر أبو مازن اجتهادات ملموسة كرجل إصلاحي مستنير، فراح يعالج بعض الأمراض الإدارية والمالية والاقتصادية التي طالت الشكوى من تكلسها، والتفت بخاصة لقضية توحيد الأجهزة الأمنية.. والمهم أنه أفلح في اجتراح توافق بين الفصائل حول ما عرفت بالتهدئة الأولى ووقف العمليات المسلحة ضد الأهداف الإسرائيلية.

كان المفترض جدلاً أن يغبط أبو مازن على خطواته، وأن يكافأ على تهيئة المناخ الفلسطيني لاستئناف عملية التسوية طبقاً لوعود العاملين عليها إقليمياً ودوليا. لكن ما حدث ولاسيما من جانب إسرائيل هو العكس تماماً. إذ مضت حكومة ارييل شارون حينذاك في سياساتها القمعية ضد كل شيء فلسطيني بدون استثناء رموز السلطة ومؤسساتها.

وأعلنت أن التهدئة أمر فلسطيني لا يعنيها وان رئيس الوزراء أبو مازن ليس شريكاً تفاوضيا شأنه في ذلك شأن ياسر عرفات .

أكثر من ذلك أن شارون سخر من نظيره الفلسطيني ووصفه بأنه «كتكوت بلا ريش»!.وعلى المنوال ذاته توالت الرشقات الحكومية الإسرائيلية كي تنال من أبو مازن وتتحدث عن خيبة الأمل فيه .. حدث ذلك ونحوه لأن أبومازن تمكن من تمرير التهدئة بالحوار والنقاش والتباحث مع شركاء الدم والمصير.

وعلى رأسهم حركة حماس، وليس بكسر العظم. لقد غضبت إسرائيل على رئيس الوزراء الفلسطيني لتحقيقه وفاقاً وطنياً مبشراً بالحكمة والموعظة الحسنة، فيما كان المطلوب والمستهدف هو استخدام تكتيكات أخرى استئصالية تجتث المقاومة المسلحة من جذورها وتدمر بنيتها التحتية والفوقية.وذلك بغض النظر عن الصدوع الفلسطينية الاجتماعية والسياسية التي كانت ستتأتي حتماً عن هكذا منهجية.

بصيغة أخرى، انشغلت إسرائيل بالوسيلة التي توصل بها أبو مازن لوقف إطلاق النار بأكثر مما اهتمت بالهدف.. أرادت تحويله ووزارته وكيلا أمنياً ينوب عنها في إنجاز ما أخفقت في انجازه طويلاً غير آبهة بأضرار هذا التوجه الإبادي بالنسبة للسلم الأهلي الفلسطيني.

إلى هذه المقاربة الأفعوانية، ماطلت حكومة شارون في تقديم ما يدل على حسن نيتها إزاء ملف التسوية.

ولم تلتق مع حكومة أبو مازن في منتصف الطريق ولا في أوله أو آخره. وحين كان الرجل يستهجن هذا التجاهل ، كان شارون وبطانته يرددون ببلادة عبارات تحريضية يفهم منها أن أبو مازن لم يضطلع بما ينبغي علية فعله:

مواجهة «إرهاب» حماس وأخواتها بالتي هي أسوأ. وهكذا توخت إسرائيل في الرجل أن يكون معها صبوراً طويل البال غير ملول أو لحوح.. بينما يتعين عليه أن يكون مع قوى المعارضة، التي كانت خارج السلطة، مستأسداً وثاباً سريع الطلقات.

هذا مع أن شارون وحكومته أحبطوه ولم يهدوا إليه بضاعة تفاوضية يمكنه تسويقها لشعبه.لكن أبو مازن كان أذكي من أن يخوض خيار الصدام العضوي مع شركاء القضية الوطنية لمجرد تقوية أوراقه لدى تل أبيب وواشنطن.. الأمر الذي انتهى به إلى الاستقالة المشفوعة بالغضب من ألاعيب إسرائيل ومماحكاتها.

نستحضر هذه المشاهد باعتبار أنها لا تخلو من دلالات تيسر فهم سيناريو الأحداث الراهنة. فإسرائيل ايهود أولمرت تتصور أن محمود عباس في المرحلة الحالية لم يعد مجرد رئيس وزراء في معية الرجل القوي عرفات. فلقد تهيأت له كل مصادر القوة اللازمة للإغارة على معارضيه القدامى ، وكل ما يلزمه هو بعض الحزم والحسم.

إذ رحل عرفات بكاريزماه وسطوته وخلصت له رئاستي المنظمة والسلطة. وصارت تدين له بالطاعة والولاء معظم قيادات فتح وكوادرها بصفته أقوى حصونها الباقية في النظام الفلسطيني. ثم إن أبو مازن بات الممر الوحيد الموثوق به لتدفق المنح والمعونات والأموال من مختلف الممولين التقليديين في ضوء الحصار المضروب على خصومه القدامى والجدد.

وبالنسبة للمنغمسين في مسار التسوية، لاسيما الرباعية الدولية، يكاد ينفرد ومعاونيه بصفة المتحدث المقبول باسم القضية الفلسطينية.. وقد تكفل المجلس التشريعي الآفل بأغلبيته الفتحاوية في ربع ساعته الأخيرة بمراكمة عدد كبير من الصلاحيات لصالحه.

وليست إسرائيل أولمرت وحدها التي تأخذ بهذا التقدير.. هناك مسؤولون أميركيون وأوروبيون يشاركونها في ذلك. وقد زاد هؤلاء جرعة الدعم إلى أبومازن بأن حولوه ومستشاريه المقربين إلى «مؤسسة» تستحق التقوية والتعزيز بالمال والعتاد لتستقطب عناصر تمكن الرئيس من التنمر أمام خصومه على أرضية صلبة عسكرياً وسياسياً، إذا ما قرر استعادة زمام السياسة والقرار الفلسطينيين إلى قبضته بالاستفتاء أو بالانتخابات المبكرة أو ربما حتى بلي الذراع.

القصد أن تل أبيب، وواشنطن بلا ريب، تعتقدان أن المسرح الفلسطيني أضحي مواتيا كي يقدم أبو مازن على ما أحجم عنه حين كان رئيساً للوزارة. لكن ما لا يقع في حساباتهما ومن يواليهما أن معظم المحددات الداخلية الضاغطة على الرجل مازالت على حالها وإن أخذت مظاهر أخرى.. فحماس اختبرت قوتها وشعبيتها بشكل انتخابي وعلى رؤوس الملأ. كما أن الوعود الذي تنتظر الرئيس الفلسطيني مازالت أقل شأناً من أن تقوده إلى مغامرة قد لا تحمدـ عقباها إذا ما أصغى لأصوات الفتنة الخارجية.

وقبل هذا وذاك يفترض أن أبو مازن رئيس لكل الفلسطينيين وليس رئيساً لوزارة شكلتها فتح، الأمر الذي يحتم عليه إجراء حسابات أوسع وأعمق بكثير من تلك التي تنتظرها منه هذه الأصوات الناعقة. والظاهر أنه سيأخذ بهذه القناعة بالفعل.

كاتب وأكاديمي فلسطيني