عطل فيروس بالأمس خدمات الإنترنت أربكنا، بل وأصابنا ما يشبه العصاب ونوع من الاكتئاب، ولا أشك في أن آخرين هم في أمس الحاجة للاتصال بما يعينهم من أعمال عبر الشبكة العنكبوتية ربما أصابهم أكثر من ذلك، وبين التقنية والإنسان تجاذبات مصيرية كبيرة وواضحة ومتجلية في عصرنا الحديث الذي نعيش فيه الثورة الخرافية في وسائل الاتصال الحديثة، لدرجة وصلت عندها هذه التجاذبات إلى حالة من علاقة فريدة ونوعية.

التقنية تصاب بالفيروسات، تمرض وتصيبها العلة ويبدو أن فيروسها ينتقل إلى الإنسان أيضاً طالما أن إشكالاتها تحرك عنده العصاب تستثيره وترفع ضغطه.

في أميركا والمجتمعات الأكثر اتكاء على تقنية الاتصال تصبح الخسائر بالمليارات في حال تعطل خدمات الإنترنت، ولأن الإنسان هناك صاحب علاقة وطيدة بالتقنية بحكم التقادم في الاستخدام والتعامل فإن إصابته بفيروسها تكون مباشرة وقد تؤدي إلى الجلطة القلبية «بعيد عنكم».

مع الاستمرار في العلاقة بالتقنية يقول الخبراء النفسانيون يصبح الإنسان في حالة متذبذبة بين الانعزال والحياة الاجتماعية الطبيعية التي هي على سجيتها منذ بدء الخليقة، لكن لا مفر من استخدامات التقنية في عصرنا الحالي، وتسجل الإحصاءات العالمية لعدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية أرقاماً محترمة في هذا الجانب ومعها تسجل كذلك عدد الساعات التي يقضيها الإنسان أمام شاشة الكمبيوتر في عزلته واتصاله بالعالم الخارجي في الوقت نفسه، فهو وحيد ومرتبط بالعالم كذلك، يعيش فيما يمكن أن نطلق عليه الاتصال الكوني والعزلة الكونية.

في هذا السياق يمكن النظر إلى جهاز الهاتف النقال الذي في أيدينا والذي يجعلنا في حالة استنفار واتصال دائمين بما هو بعيد عنا، اليوم نحن أكثر ميلا للثرثرة، أكثر ميلاً لتقصي الأخبار، أكثر ميلاً للنم والنميمة، يدفعنا الهاتف النقال إلى معرفة كل شيء عن طريق مواصلة الاتصال.

إدمان الاتصال جعلنا أسرى لهذا الجهاز التقني الصغير الذي يستقر في راحة أيدينا، حتى وان يصدر نغمته التنبيهية لقدوم مكالمة، فنحن أيضاً وفي لحظات الفراغ القليلة نعبث به، نقلب ملفاته، نمسح وننظف، ننقل ملفات ونتخلص من ملفات وبالتالي فنحن في حالة شد وانجذاب دائماً لا يتيح مجالا لتأمل ألوان وردة نضرة في حديقة أو إلقاء نظرة بعيدة في اتساع المدى.

يحتاج الإنسان لفترات راحة من دوامة هذه الآلية في الحياة ولهذا يسبقنا غيرنا في الاستمتاع بأوقات لها علاقة بالعودة إلى الطبيعة الخالصة.

mhalyan@albayan.ae