«هذه الإدارة تسعى فقط إلى تأجيل إعلان الخسارة .. إنهم وصلوا إلى قناعة بأن عملية غزو العراق فشلت، ولكنهم لا يريدون إعلان ذلك، تاركين للرئيس الأميركي المقبل الإشراف على إنزال مروحية في المنطقة الخضراء» هذا نص ما قاله السيناتور الأميركي البارز جوزيف بايدن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي.

يشير بايدن إلى حادث وقع في الثلاثين من أبريل عام 1975 حيث انتهت المغامرة الأميركية في فيتنام بإقلاع آخر مروحية من سايجون وعلي متنها السفير الأميركي في فيتنام الجنوبية تلك الدولة التي لم يعد لها وجود بعد أن ألحق الثوار الفيتناميين بالأميركيين هزيمة مخزية مثلت عقدة في التاريخ الأميركي حتى وقت قريب .. وقد تغير اسم سايجون وأطلق عليها اسم الزعيم «هو شي منه» الذي قاد الثوار حتى دحروا غزو أميركا لبلادهم.

مرة أخرى تكذب الإدارة الأميركية ثم تصدق نفسها مثلما فعلت في الماضي بأكاذيب أسلحة الدمار الشامل وارتباط نظام صدام حسين بتنظيم القاعدة، هذه المرة تحاول ايهام العالم بأنها موجودة في العراق لوقف العنف الطائفي، بينما هي التي اخترعت الطائفية في هذا البلد وحاولت جعلها أساسا للعراق الجديد، حتى لا يسترد عافيته مرة أخرى ويظل رهنا لتوازنات قوى إقليمية ودولية مثلما هو حال لبنان الآن.

الذي ينبغي أن يفهمه الأميركيون هو أن وجودهم هو الدافع الأساسي لكل رصاصة يتم إطلاقها سواء باتجاه صدور جنودهم أو باتجاه صدور الأبرياء من أبناء الشعب العراقي، وأن الشائعات والأقاويل عن تطهير مذهبي أو طائفي لبعض المناطق لن يتوقف إلا برحيلهم.

وأن استهداف ميليشيا «جيش المهدي» التابعة لمقتدى الصدر لن يحل المشكلة، فهناك ميليشيات أخرى تمارس أعمالا أكثر بشاعة بحق العراقيين، ولكن لا أحد يتفوه باسمها لأنها لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه جندي أميركي، كما أن تتبع أطرافا رئيسية في الحكومة الحالية، وتتحرك باسمها لتمارس في وضح النهار ما جعل العراق يشهد أكبر موجة نزوح في المنطقة منذ نزوح الفلسطينيين عام النكبة.

يورد الأميركيون كل سبب يخطر على البال للعنف، فتارة يعلقونه على شماعة دول الجوار (إيران وسوريا ) وأخرى على إرهابيي القاعدة الذين تجمعوا هناك لقتال أميركا، وثالثة على عدم الدعم العربي لحكومة بغداد، متناسين تماما أن وجود احتلال أجنبي يستفز أي وطني مخلص.

(واستذكر هنا مقولة نسيم ليفي- وهو ضابط سابق في الشاباك لمدة 20 عاما - : لو كنت فلسطينيا لحولت حياة الإسرائيليين إلى علقم .) لأن الاعتراف بأن وجودهم سبب كل مصائب العراق له تبعاته، وقادة الإدارة الأميركية اليمينية ليست لديهم الشجاعة الكافية لإعلان ذلك.

نفس الأمر يحدث في الملف الفلسطيني، فهناك أجيال تعيش وتموت على التسويف الغربي لدرجة دفعت الأمير سعود الفيصل وهو من أكثر وزراء الخارجية العرب محافظة واتزانا إلى القول إن الغرب يمنح العرب وعودا كاذبة .. والنظر إلى ما تحمله رايس في جولتها يثبت كم التضليل والخداع الذي تمارسه أميركا بحقنا .. هم يريدون الحصول على كل شيء مقابل وعود فارغة نكون مجانين إذا صدقناها مرة أخرى، بعدما أسرفوا في الكذب وأسرفنا نحن في تصديق أكاذيبهم لدرجة جعلتنا كالأطفال ننسي ما حدث بالأمس.

أصل المسألة أن الرئيس الأميركي جورج بوش كان بحاجة إلى دعم عربي يتيح له غزو العراق فوعد بدولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل، وبعد أن وجد نفسه متورطا أخذ يبحث مع الإسرائيليين عن ذريعة، فلم يجدوا إلا شخص الراحل ياسر عرفات الذي بات يمثل عقبة بعد أن كان شريك سلام.

وحينما رحل عرفات وجاء أبو مازن الرجل الذي اختاروه هم وفرضوه على عرفات تذرعوا بالعمليات الاستشهادية، وحين تم وقف الأخيرة تذرعوا بأن السلطة الحالية ليست منبثقة عن انتخابات حرة، فلما أجريت الانتخابات الحرة تذرعوا بأنها جاءت بحركة حماس (المتطرفة في نظرهم).

وأصبحت خريطة الطريق (وهي خطة أميركية ـ إسرائيلية لاتمنح الفلسطينيين عشر حقوقهم) جزرة يلوحون بها لتمرير ما يريدون عربيا، وبعد تنفيذ مآربهم يضعون الملفات على الرف انتظارا لجولة أخرى من الأكاذيب.

منذ عقود أخطأ الفلسطينيون حينما ظنوا أن الجيوش العربية يمكن أن تدفع عنهم خطر العصابات فسلموا أسلحتهم وانتظروا أن تحررهم الجيوش والآن يرتكبون خطأ مضاعفا إذا قبلوا التخلى عن فكرة المقاومة ظانين أن أميركا والغرب يمكنهم التدخل لمنحهم دولة، فإستراتيجية العراق وخطة خارطة الطريق في فلسطين ليسا إلا استراتيجيات لقتل الوقت وإجهاض حلم أجيال عطشى رأت سرابا فحسبته ماء.

magdishendi@hotmail.com