بدأ الرئيس الأميركي جورج بوش في إجراء تغييرات على المناصب الرئيسية في إدارته المتعلقة بالسياسة الخارجية. فمن جهة رشح زلماي خليل زادة ليكون مندوباً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة بدلاً من المندوب السابق المستقيل جون بولتون، وهو الأمر الذي يسري أيضاً على سفراء أميركيين عاملين في المنطقة العربية سوف يتم تغييرهم.
وكل ذلك بالطبع من أجل امتصاص الضغوط التي من المتوقع أن تمارس على الرئيس الأميركي وإدارته من قبل الكونجرس الذي أصبح الديمقراطيون يحتلون الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ.
وهذا التغيير الذي يشمل مناصب متعددة لها علاقة بالقضايا العربية يدفعنا لطرح سؤال مهم وهو هل تنهي هذه التغييرات أزمات العرب مع إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بالنظر إلى أن هذه الأزمات شهدت نقلة نوعية خلال وجود هذه الإدارة في الحكم خاصة في الولاية الأولى لها.
هناك ثلاث ملاحظات لا بد من الإشارة إليها قبل البدء في الإجابة على السؤال المطروح، الأولى تتعلق بأن هناك مستويين من الأزمات بين إدارة بوش والعرب. المستوى الأول يتعلق بالأزمات بين الشعوب العربية والإدارة، وذلك بسبب موقف الأخيرة من القضايا العربية وعلى رأسها العراق وفلسطين وعدائها الواضح للإسلام والمسلمين.
أما المستوى الثاني فيتعلق بما تمارسه هذه الإدارة على الحكومات من أجل المقرطة والإصلاح السياسي، وهذا المستوى قد يحقق مصالح للشعوب العربية بما يعني أنه لا يمثل أزمة بينها وبين إدارة بوش، لكنه يشكل مفتاح أزمة كبيرة بين الحكومات وهذه الإدارة على النحو الذي سوف نوضحه حالاً في الملاحظة الثانية.
أما الملاحظة الثانية فهي تتعلق بأن واحدا من سبب الأزمات بين الحكومات العربية وإدارة بوش هو تبني الأخيرة لسياسة أطلق عليها المحافظون الجدد مسمى «الفوضى الخلاقة»، وهي تقوم على أن حدوث الفوضى في المنطقة أو في واحدة من دولها قد يخلق أوضاعاًأفضل من تلك الموجودة فيها. وهذه السياسة سقطت تماماً مع فشل السياسة الأميركية في العراق ومع سقوط المحافظين الجدد خاصة مع بداية الولاية الثانية للرئيس بوش.
أما الملاحظة الثالثة فهي عامة وشاملة لكنها قد تعطي مؤشرات مفيدة في الإجابة على السؤال الرئيسي المطروح، وهذه الملاحظة العامة هي أن التفاؤل مع سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس الأميركي ليس في محله، لأنه من المعروف أن الجمهوريين أكثر اعتدالاً فيما يتعلق بالقضايا العربية عن الديمقراطيين، وذلك بسبب ارتباطهم بالمصالح النفطية.
وبالتالي، فإن العداء الواضح للعرب والمسلمين كان أحد تجليات سيطرة المحافظين الجدد على إدارة بوش. وهنا لا بد من الإشارة إلى اليهود الأميركيين بأنهم أحد العناصر الأساسية في القاعدة الانتخابية لأي مرشح ديمقراطي سواء للرئاسة أم الكونجرس، وأي نظرة على نتائج الانتخابات الأميركية، تؤكد أن ما يقرب من 80% من اليهود يصوتون لصالح الديمقراطيين، الأمر الذي يجعل هؤلاء حساسون تجاه القضايا المتعلقة بإسرائيل.
وهذه الملاحظات الثلاث تؤكد أن أزمات الولايات المتحدة مع الشعوب العربية سوف تظل قائمة، لأن هذه الأخيرة سواء فيما يتعلق بالإدارة أو الجهاز التشريعي ممثلاً في الكونجرس لن تمارس أي سياسة متوازنة تجاه القضايا موضع الخلاف بين الجانبين بل وقد تزيد الفجوة بين تطلعات الشعوب العربية والولايات المتحدة. لكن على المستوى الثاني من المتوقع أن تهدأ الأزمات تماماً بين الحكومات العربية والإدارة الأميركية، لأنها سوف تتخلى بالتدريج عن سياستها التي سببت مخاوف لهذه الحكومات.
والملاحظ أن أصواتاً أميركية بدأت تبرز، تقول إنه ليس من المناسب الضغط على الحكومات من أجل إجبارها على تطبيق الديمقراطية، وبدأت الأصوات نفسها تحمل الشعوب العربية والإسلامية سبب غياب الديمقراطية في الوطن العربي، أو تطالب بتطبيق البرجماتية لأن الإصلاح الذي تطالب به الولايات المتحدة سوف يأتي بحكومات معادية للولايات المتحدة الأميركية ذاتها بما يهدد مصالحها في المنطقة.
وهذا الأمر قد يعطي بعداً جديداً للأزمة بين العرب وإدارة بوش، وذلك بأن ينضم الليبراليون المنحازون إلى الولايات المتحدة والذين كانوا يراهنون عليها من أجل تطبيق الديمقراطية إلى لائحة أعداء الولايات المتحدة أو على الأقل يسبب لهم إحباطاً يقلص من القاعدة السياسية لها في المنطقة.
ويجعل الحكومات هي القطاع الوحيد الذي تستطيع أن تراهن عليه، وهو الأمر الذي يؤثر أكثر بالسلب على مصالحها، وقد يزيد من الفجوة بين الحكومات والشعوب ويؤثر على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة على المدى الطويل.
كاتب مصري