اقتل العبد يستسلم سيده! هكذا يقال. وهي حيلة سياسية ناجحة مئة بالمئة. فلكي يستسلم الأقوياء عليك أولا بهزيمة الضعفاء منهم. وفرار قوات المحاكم الإسلامية من الصومال بتدخل من اثيوبيا المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية لا يتعدى تلك الحيلة السياسية التي انتهجتها الكثير من الدول القوية في العالم ومن بينها (إسرائيل).

هذا التدخل الأميركي المفاجئ في الشأن الصومالي الداخلي مثلا سبق بعدة أيام فقط قرار الرئيس الأميركي بإرسال 000 ,20 جندي إضافي إلى العراق رغم أنه يواجه منذ أكثر من سنة هبوطا كبيرا في شعبيته ورفضا لسياسته المسلحة تلك هناك.

ثم الإسراع في الإعلان (قبل التيقن من الأمر) عن مقتل فضل عبد الله محمد وهو عضو مهم من تنظيم القاعدة (يشتبه) في كونه العقل المدبر لتفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998. وكان ذلك أشبه بدروس صفوف المراحل الابتدائية.

هذا الدرس كان موجها للأميركيين، أولا: ليقول لهم بأنه إذا كانت القوة الأميركية قادرة على الانتصار في الصومال (الذي لا يجد شعبه ما يأكله)، فهي إذن قادرة على الانتصار في أي مكان آخر حتى ولو كان في العراق. وثانيا، ليطمئن الشعب الأميركي حيث وجد بأن حقوق الأميركيين محفوظة حتى ولو بعد ألف عام. وأن القصاص سيطال هؤلاء الإرهابيين حتى ولو طال الزمن بهم أو قصر! وأن المعتدين على سفارتيها قبل 18 سنة لقد لقوا أخيرا جزاءهم.

ولا نعلم كيف سيتم إقناع الأميركيين بعد ذلك بأن معظم دول العالم ومنها دول أوروبية وعربية مؤيدة للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب قد رفضت التدخل الأميركي المسلح في الصومال دون قرار من مجلس الأمن ضاربة بعرض الحائط كل القوانين الدولية، وكيف سنخفي عنهم بعد ذلك ما أكدته السي ان ان في موقعها على شبكة الانترنت عدم صدق خبر مقتل أحد أعضاء تنظيم القاعدة المهمين المطلوبين للولايات المتحدة لتفجير السفارتين المذكورتين.

بعد ذلك سيكون الدرس موجها لكل الدول الأخرى التي تتجرأ حتى هذه اللحظة على تحدي قرارات الولايات المتحدة الأميركية وسياستها في قارات العالم وخاصة الدول الإسلامية والشرق الأوسط على الخصوص. صحيح أن إيران وكوريا وكوبا وسوريا والمقاومة في العراق وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين ليسوا كحال الصومال، إلا أن سياسة (إرهاب وإفزاع) العدو تضمن أكثر من ثلثي هزيمته على الأقل.

ولا نعلم إن كان صقور البيت الأبيض قد استفادوا من استراتيجيات الحرب في القرآن الكريم (دون مبادئه الإنسانية الأساسية في الحروب)؟ وكما نعلم فإن تلك السياسة قديمة قدم الحروب بين الجماعات البشرية. فلطالما تعمد أحد الفريقين المتحاربين على قتل رسول الفريق الآخر تطبيقا لنفس السياسة التي تقوم على قذف الرعب في قلوب الأعداء ومباغتتهم.

ولا ننسى أنه على مدى ثلاث سنوات من إلقاء القبض عليه، تم استغلال شخص صدام حسين بدءا من محاكمته إلى اتخاذ قرار إعدامه ولحظات تنفيذ الحكم فيه بتلك الطريقة الدرامية المفزعة والشنيعة أمام أعين الملايين من البشر صغارا وكبارا وفي يوم مقدس للمسلمين عامة كعيد الأضحى، وفي شتى أنحاء العالم .

ومن ثم بثه بكل تفاصيل عملية الإعدام على مواقع شبكات الأنترنت، وبالرغم من عدم الانتهاء بعد من مناقشة كل القضايا الأخرى المعلقة والمتهم بها الرئيس المخلوع، لم يكن الهدف الأساسي منه سوى (إرهاب) كل من يقف في طريق القوة القاهرة وتحذيره بنهاية مماثلة دموية ومفجعة. وقد وصلت الرسالة إلى من تتوجه إليهم أصابع الاتهام.

إن سياسة الترهيب والإرهاب ونشر الفزع والقلق والذعر بين البشر أصبحت سمة الألفية الثالثة لتحقيق كل ما لا يتحقق بالطرق الاعتيادية. والغريب في الأمر أن بعض الدول تمارس هذه السياسة حتى مع مواطنيها عندما يتطلب الموقف ذلك الأسلوب. فقبل أيام من قرار الرئيس الأميركي زيادة القوات الأميركية في العراق أعلنت مدينة نيويورك استنفارها عن بكرة أبيها بإعلان تسرب نوع من الغازات السامة فيها دون معرفة المصدر. وأغلقت محطات القطارات والمترو. وظل الأمر مبهما حتى هذه اللحظة.

ونتذكر قبلها أثناء أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاه من غزو أفغانستان وأمام مشاهد الدمار والموت انتشرت شائعة الجمرة الخبيثة باتهام منظمة القاعدة من ورائها لتغطية الحرب التي كانت تشن وقتها. وهي فكرة ذات مفعول سحري ومضمون مئة بالمئة ولو أنها فكرة سامة وخبيثة في نفس الوقت. لأن المخابرات الأميركية لم تتوصل حتى اليوم إلى إلقاء القبض على الجاني أو الجناة!!

ما حدا ببعض المحللين السياسيين إلى توجيه أصابع الاتهام إلى المخابرات الأميركية نفسها بنشر تلك الجمرة لزرع الرعب في قلوب الأميركيين ولإعطاء شرعية قانونية للتدخل العسكري في بعض مناطق العالم الساخنة والمهمة استراتيجيا بحجة حماية المواطن الأميركي من مثل تلك الهجمات الموجهة ضده.

وحدث مثل ذلك الأمر تماما مرات عدة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا خاصة عندما تتدنى شعبية الرئيس فجأة. وكلنا نتذكر الاستنفار العام في بريطانيا والعديد من دول أوروبا قبل شهور بعد إشاعة خبر مفاده أن هناك خططا لتفجير طائرات في الجو وهي متوجهة إلى مطارات في الولايات المتحدة الأميركية. وكان توقيت ذلك توقيتا ممتازا، حيث كانت شعوب العالم والشعب البريطاني والشعب الأميركي واقفا كله ضد أسلوب الحرب العشواء التي كانت تشنها الطائرات الحربية الإسرائيلية جوا ودباباتها برا على جنوب لبنان وعلى المدنيين العزل.

وربما نجحت الفكرة في تشتيت ذهن الرأي العام وتوجيهه إلى وجهة مغايرة، وجعله يؤمن بأن ما تقوم به الطائرات الحربية الإسرائيلية بدعم أميركي وبريطاني على لبنان يظل مبررا في إطار محاربة الإرهابيين المسلمين (الفاشيين) على حد قول الرئيس بوش. واليوم يواجه بوش موقفا أكثر صعوبة وقساوة من صعوبة قراره ببدء الحرب: قرار استمرارها.

فإن فشله في العراق وفي حربه على الإرهاب واستيلاء الديمقراطيين على الكونغرس وخروج أهم معاونيه من صقور البيت الأبيض وعلى رأسهم دونالد رامسفيلد وجون بولتون وهبوط شعبيته يوما بعد يوم وبشكل متسارع، شكّل ومازال يشكل ضربة مؤلمة لبداية السقوط غير المشرف لسيرة هذا الرئيس الذي أراد بدعم من شعبه أن يحكم العالم بقبضة من حديد، ثم تخلى عنه شعبه في منتصف الطريق ليجد نفسه وحيدا واقعا بين مطرقة الرأي العام الأميركي وسندان العراق.

وأمام الخوف الداخلي من أن يحاكم على تلك المغامرة الخاسرة التي كلفت بلده مئات المليارات من الدولارات. ولا نعرف - أو ربما الكل يعرف ويتجاهل - من أين تأتيه تلك الاستشارات والأفكار الغريبة بالاستمرار في حرب خاسرة مسبقا (باعتراف الساسة والمحللين والخبراء العسكريين الأميركيين أنفسهم بل باعترافه هو نفسه).

بعد أن تعدى الرقم حدود الـ 3017 جنديا أميركيا قتيلا ناهيك عن الجرحى في العراق فقط! لقد اعترف الرئيس حرفيا بأنه لم يحقق شيئا في العراق باستثناء هدم البيت العراقي على رأس ساكنيه والقبض على صدام حسين ومعاونيه الذين نفذوا لسوء حظهم سياسات الولايات المتحدة الترهيبية في المنطقة وخاصة في مهاجمة إيران، بل قدموا لهم خدمات جليلة أثناء بقائهم في الحكم لم يكن يحلموا بها:

فقد استخدمته السياسة الأميركية بشكل صريح ومعلن سواء بعد خروجه من الكويت أو بعد سقوط بغداد ليقوم بمقام «الفزاعة» في المنطقة إلى أن تنضب آخر قطرة زيت خام فيها! فقد كانت سياسة صدام الهجومية على جيرانه ذريعة للولايات المتحدة للبقاء فيها بحجة حماية الدول الصديقة وحماية مصالحها.

فإذا ما خرجت الآن فهذا سيعني أن جميع المخططات المرسومة للعالم سوف تصبح بين ليلة وضحاها في خبر كان. فلن تجرأ الولايات المتحدة الأميركية على أن تعيد الكرة في بقعة أخرى من العالم؛ لا مع إيران ولا مع سوريا ولا مع كوريا. وخروجها مهزومة من العراق كما خرجت من فيتنام قبل عقود سيعزز نظرية استحالة تحقيق أي أهداف في الحروب الاستباقية أو الرادعة ضد الإرهاب أو لفرض الهيمنة الأميركية على العالم.

وبالتالي سيضع حليفتها (إسرائيل) في موقف لا يحسد عليه. فهذه الأخيرة كما نعلم، لم تشن الحرب على لبنان لاستعادة جندييها المخطوفين، لأنها تعرف تماما أن ذلك لا يتحقق من خلال قصف المدن الآهلة بالسكان، بل بهدف إرهاب وإخضاع وتحجيم عدويها اللدودين: حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين.

وحيث ان إسرائيل خرجت من لبنان مهزومة ومنهكة من تلك الحرب الفاشلة، وخرج حزب الله منتصرا منها وبدعم شعبي وإقليمي لا مثيل له، فإن فكرة انسحاب الولايات المتحدة مهزومة من العراق سيعني بداية الفوضى الحقيقية التي ستضرب حتى عمق إسرائيل. لهذا السبب يبدو من المؤكد أن إصرار الرئيس بوش على إرسال قوات إضافية إلى العراق بما يقارب الـ 20 ألف جندي يأتي لضغوط خفية من اللوبي الصهيوني.

فإسرائيل تريد بقاء الولايات المتحدة في العراق إلى أن تصفي حساباتها مع الفلسطينيين أولا ومن ثم حزب الله.

والمسلي في الأمر أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تدفع ثمن سياسة إسرائيل.أما المهزلة الأكبر فهي أن الصومال التي تعيش وجيوبها خاوية، هي التي تدفع ثمن فشل الولايات المتحدة الأميركية في العراق.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com