أعدت الحكومة العراقية مشروع قانون ستعرضه على البرلمان يسمح للشركات الأجنبية باستخراج النفط العراقي ثم استغلال احتياطيه لمدد طويلة، ويتم الاستغلال من خلال عقود مدتها ثلاثون عاماً تأخذ الشركات المستثمرة نسبة تصل إلى (70%) من قيمة النفط المستخرج حتى تستعيد نفقاتها وبعد ذلك تحتفظ لنفسها بنسبة (20%).

بينما المتعارف عليه في العقود العالمية هو أن تأخذ هذه الشركات (40%) ريثما تسترد تكاليفها ثم تحصل على (10%) بعد ذلك مضافة إلى كلف الاستثمار. وعادة ما تكون الكلفة التي تزعم الشركات تحققها أسطورية ومضاعفة عدة مرات عما هي عليه في الواقع لأنها هي وحدها التي تحدد مقدار هذه الكلفة دون أي رقيب كما تحدد رواتب الخبراء والعاملين ونفقاتهم (تصل رواتب بعضهم لعشرات آلاف الدولارات).

وتدفع ثمن الآلات المستوردة لحاجة الإنتاج من بلدها وبدون مناقصات نظامية، وتمارس مختلف أساليب الاحتيال (المشروع) لرفع سقف الكلفة التي تزيد عادة عدة أضعاف على تكاليف الاستخراج بواسطة شركات وطنية أو بطريق المنافسة، وقد أشارت صحيفة (الأندبندنت) البريطانية إلى أن الشركات التي سيتم التعاقد معها في العراق (أو أنه تم التعاقد معها) هي شركة (بريتش بتروليوم) البريطانية وشركتا (شل وإكسون) الأميركيتان.

ومع هذا القانون تكون السيطرة على احتياطي النفط الهائل في العراق قد بدأت لمدة ثلاثين عاماً مقبلة على الأقل. ولمن لا يعلم فإن احتياطي النفط العراقي المؤكد هو (115) مليار برميل، ويتوقع أن يصل إلى (300) مليار برميل وتكون العراق بذلك تمتلك ثالث احتياطي في العالم، ولا يستخرج النفط العراقي الآن سوى من (15) حقلاً.

في الوقت نفسه تناقلت وسائل الإعلام أن الجيش الأميركي على وشك إنهاء بناء (17) قاعدة عسكرية ثابتة ودائمة في العراق تنتشر من شماله إلى جنوبه، إضافة إلى عشرات المواقع المؤقتة التي تحتاجها قوات الاحتلال الحالية ويتحول العراق بذلك إلى قاعدة عسكرية موضوعة في خدمة الاستراتيجية الأميركية الحالية والمقبلة، تمهد للهيمنة أو تهدد إيران وبلدان وسط آسيا وبلدان غربها (أفغانستان والباكستان وربما الهند) وبحر العرب ويلبي هذا التواجد العسكري الأميركي حاجات بناء الإمبراطورية الأميركية ونفوذها العسكري في المنطقة وفي العالم حاضراًومستقبلاً.

كان المراقبون منذ بدء العدوان يتساءلون لماذا خصصت الولايات المتحدة وأنفقت أكثر من ثلاثمئة مليار دولار من أجل تكاليف الغزو واستمرار الاحتلال ويعبرون عن شكوكهم بإمكانية استعادة هذه المبالغ، ويرون بالتالي أنها صفقة مالية خاسرة ومكلفة وبعضهم يرى أن الغزو كان كارثة على الولايات المتحدة أوقعها في المستنقع العراقي.

وقد بدأت تظهر الآن أهمية الأهداف الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية والسياسية لهذا الغزو والتي تؤكد أنه لم يكن قراراً أهوج أو متعجلاً من قبل المحافظين الجدد أسياد الإدارة الأميركية، بل هو جزء من استراتيجية شاملة متكاملة لا في منطقتنا فحسب بل في العالم كله. خاصة وأنه من المتوقع أن ينضب النفط الأميركي خلال عقدين بينما يستمر النفط العراقي لمئة عام مقبلة على الأقل.

سوف تضاعف السياسة الأميركية قدرتها على إعادة تشكيل دول المنطقة وأنظمتها وتحقيق المشاريع الأميركية سواء منها الشرق الأوسط الكبير أم الجديد نتيجة سيطرتها على احتياطي النفط وبناء قواعدها العسكرية، فمن يملك هذا التواجد الاقتصادي والعسكري والثقل الدولي يصبح قادراً على عمل ما يريد ويكتسب دور اللاعب الرئيسي في تقرير مصير البلدان المحيطة استناداً لأسس ثابتة اقتصادية وعسكرية وسياسية، فاحتلال العراق إذن.

ومهما بدت صعوباته كبيرة وتكاليفه مرتفعة الآن، لا بد ـ بنظر السياسة الأميركية ـ من أن يعطي نتائجه الباهرة فيما بعد، وهاهي ملامح هذه النتائج (وربما النجاحات) بدأت تظهر للعيان، ولن يستطيع الحزب الديمقراطي الأميركي تجاهلها.

ولم يكن يجهلها قبل ذلك، ولهذا فمن غير المتوقع أن تتغير هذه الاستراتيجية سواء فاز الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية المقبلة أم فاز الديمقراطيون، ومن غير الحكمة أن نعوّل على موقف مختلف جدياً من قبل الديمقراطيين الذين لن تتجاوز معارضتهم في الغالب الأعم بعض القضايا التكتيكية أو الاختلاف على أساليب التعامل في العراق والبحث عن أفضل الطرق التي تقلل الخسائر وتزيد الأرباح.

خاصة وأن الحزبين يتأثران إن لم يكن ينفذان رغبات احتكارات النفط واحتكارات السلاح التي ترى في العراق كنزاً يقدم لها النفط هدية ويوفر لها الظروف المناسبة لتبيع أسلحتها للجيوش الأميركية ولغيرها وتزدهر ويزدهر معها الاقتصاد الأميركي، فضلاً عن ضمان التزود بمصادر الطاقة (من العراق ومن غيره من بلدان الشرق الأوسط) لعقود عديدة قادمة باطمئنان وأمان، ومساعدتها على ان تكون اللاعب الرئيسي في سياسات الطاقة العالمية وتوفيرها وتحديد أسعارها بما يناسب المصالح الأميركية.

تتقاتل الأحزاب العراقية الحليفة للأميركيين والمتواجدة على رأس السلطة حول من يكسب ود الأميركان أكثر من غيره ليزيد امتيازاته كفئة أو مجموعة أو إثنية أو طائفة وتتمسك بميليشياتها التي تقتل على الهوية، وتؤسس لشرخ وحقد طائفي وإثني في العراق قد يدوم عشرات السنين القادمة.

ويتحدث كل منها عن انتصاراته ومكاسبه، لكنه يتناسى أن العراق كله وطناً ودولة ونفطاً وموقعاً أصبح غنيمة أميركية وما مكاسب هذه الفئات وأمراؤها إلا فتات ما يتركه الأميركيون، على حساب إلغاء هوية العراق وتحويل شعبه إلى ميليشيات متقاتلة تلغي أول ما تلغي مفهوم المواطنة وتلغي معه أمن العراق وتهدر ثرواته وتحوله إلى تابع مطلق للاستراتيجية الأميركية، مفتوحاً لنهب بتروله وأرضية لتهديد جيرانه وجمهورية موز جديدة في المنطقة العربية.

في ضوء هذا من المستبعد أن تنجح خطط الحكومة العراقية المتعاقبة التي فشلت كلها في السابق والتي لابد لها أن تفشل في الحاضر في تحقيق أمن العراق وإعماره وازدهاره، ولا النوايا الحسنة من هذا الطرف أو ذاك بقادرة على إنقاذ العراق ما لم تقم فيه وحدة وطنية وتوافقات قادرة على إجبار المحتل على الامتثال لمصالح العراق وشعبه.

تعرف الولايات المتحدة أن أمن العراق واستقراره وإقامة الديمقراطية فيه وإعماره ترتبط بتوافق سياسي بين جميع القوى السياسية العراقية ونبذ الطائفية السياسية وجعل مفهوم المواطنة وقوانينها هي المرجع، ولكنها تعرف أيضاً أن هذا التوافق سيساعد العراق على النهوض من تحت الأنقاض ورفض الارتهان للمحتل ومصالحه الحاضرة والمقبلة، ولذلك ترفضه وتبحث عن حلول عرجاء لن توصل العراق إلى طريق الخلاص وتبقيه أسيراً لها ولسياستها ومصالحها.

كاتب سوري