إذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه كما يقول المثل الشعبي فإن عنوان هذا العام جاء مأساوياً ومخيفاً بالنسبة للفلسطينيين الذين أدار العالم لهم ظهره، وتركهم يغوصون في مستنقع صراع داخلي دامٍ يغذيه فقر شديد متزايد، وشهوة عارمة على مزايا ومواقع في سلطة تفتقر إلى أبسط أشكال ومظاهر السيادة، ويأس يأكل نفوسهم فيزرع بدل الأمل حقداً أسود بين الأخوة.

ثلاثة وعشرون قتيلاً ومئة وخمسة وثلاثون جريحاً، وخطف واحتجاز اثنان وثلاثين شخصاً، فضلاً عن حرق العشرات من البيوت والمحال التجارية والمؤسسات الخاصة والعامة، هذه هي حصيلة الأسبوع الأول من العام الجديد، بحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة. ففي غياب حوار العقل لأكثر من شهر، تحضر عقلية المجابهة وحوار السلاح يتابع سيرة امتدت لسنوات من غياب القانون.

وضعف الأجهزة القادرة على إنفاذه ومن تفاقم ظاهرة الفلتان الشامل وليس الأمني فقط، ومن تصاعد مفاعيل فوضى السلاح التي تسود الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي يصعب إبعادها، فيما البعض يتحدث عن نحو مئة ألف قطعة سلاح، في منطقة جغرافية لا تتجاوز مساحتها 360 كيلومتراً مربعاً، وتعداد سكاني يصل إلى نحو مليون وأربعمائة ألف نسمة.

أكثر الأيام صعوبة وقساوة خلال الأسبوع الأول كان يوم الأربعاء الموافق الرابع من الشهر، وحيث لم تنته بعد عطلة عيد الأضحى، حين قامت مجموعات من القوة التنفيذية التابعة لوزير الداخلية، بمحاصرة بيت العقيد في جهاز الأمن الوقائي محمد غريب في منطقة جباليا، وقامت باغتياله، وثمانية ممن كانوا معه، فضلاً عن جرح نحو خمسين شخصاً بعد حصار للمنزل دام نحو خمس ساعات.

بغض النظر عن الأسباب، فإن أحداً لم يهب لنجدة المحاصرين في المنزل، رغم أن الكثير من المسؤولين سمعوا نداءات الاستغاثة التي أطلقها العقيد غريب عبر محطات الإذاعة المحلية وتلفزيون فلسطين، والهواتف النقالة وغير النقالة، الأمر الذي ترك في نفوس أعضاء حركة فتح وعناصرها ومناصريها غصة وحسرة، وشعورا بالخذلان والخوف من القادم.

على أن الاستياء لم يتوقف على أعضاء حركة فتح، وإنما ساد الشارع الفلسطيني خصوصاً في شمال غزة، جراء القسوة التي تميزت بها الاشتباكات، وعلى نحو يشبه ردة الفعل الشعبية إزاء مقتل أطفال المقدم في المخابرات بهاء بعلوشة قبل ذلك فقط بنحو أسبوعين.

هذه الجولة من الصراع التي تزامنت مع وصول رئيس الحكومة إسماعيل هنية عائداً من الأراضي الحجازية، شكلت نقلة نوعية، حيث للمرة الأولى تعلن جهة محايدة عن الطرف الذي تتحمل المسؤولية عن عملية الحصار والقتل. فلقد أصدرت لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية التي تتشكل من ثلاثة عشر فصيلاً، بالإضافة إلى بعض الشخصيات، أصدرت بياناً تحفظت عليه حركة الجهاد الإسلامي، وفي غياب حركة حماس أدانت فيه بشدة قيام القوة التنفيذية التابعة لحماس بارتكاب جريمة الاغتيال.

لجنة المتابعة دعت في بيانها أيضاً إلى حل القوة التنفيذية، وإدماجها في الأجهزة الأمنية والشرطية الرسمية، الأمر الذي شكل مقدمة لقرار الرئيس محمود عباس وأعلن فيه عدم شرعية القوة التنفيذية ما لم يتم دمج عناصرها في الأجهزة الأمنية وهو قرار سبق أن اتخذه عباس وأعلنه في شهر ابريل من العام الماضي إثر تشكيك تلك القوة.

بيان لجنة المتابعة عملياً رفع الغطاء السياسي عن الجريمة، وأعطى بعداً شعبياً لقرار الرئيس ردت عليه حركة حماس بقرار فوري وهو زيادة عدد القوة التنفيذية إلى الضعف، أي إلى اثني عشر ألفاً، قبل أن تعود وتعلن موافقتها على قرار إدماج التنفيذية في الأجهزة الأمنية، مما دفع المجابهة أكثر فأكثر نحو مزيد من التصعيد خلقت لدى أعضاء فتح دافعاً قوياً لاستعراض مدى قوتهم خلال مهرجان ضخم أقيم في ملعب اليرموك بغزة بعد ثلاثة أيام من اغتيال العقيد غريب.

المهرجان الذي تحدث فيه كل من الطيب عبد الرحيم عضو اللجنة المركزية لفتح، ومحمد دحلان عضو مجلسها الثوري وعضو المجلس التشريعي، جاء حاشداً حيث قدرت الصحافة العدد بما يربو على ربع مليون جاءوا تحت قصف المطر، مصممين على خوض التحدي ولإظهار تماسكهم وتأييدهم لنجمهم الصاعد دحلان.

الواقع أن حركة فتح كانت قد اتخذت قبل أشهر قليلة، جملةً من الإجراءات في إطار إعادة ترتيب وضعها، ووضع الأجهزة الأمنية، حيث جرى تشكيل قيادة شبابية للتنظيم في داخل الوطن، بدون المساس بالهيكليات القائمة في الحركة، هي تحت اللجنة المركزية لفتح، ولكنها صاحبة القرار والفعل فيما يتصل بالوضع داخل الأراضي المحتلة.

ويبدو أن القيادة الجديدة التي يتقدمها محمد دحلان قد حصلت على صلاحيات واسعة من قبل الرئيس، وهي ماضية في إعادة رص صفوف الحركة، وحيث ينتظر أن يجري الرئيس عباس تغييرات في قيادات الأجهزة الأمنية تطال نحو مئة وخمسين ضابطاً ومسؤولاً، ابتدأها بإقالة قائد الأمن الوطني في اليوم التالي على قتل العقيد غريب.

وفيما تواصل حركة حماس عزمها على ردع أي محاولة للنيل من دورها أو تستهدف إفشال تجربتها، فإن الرئيس محمود عباس يبدي حزماً إزاء تشديد الضغط على حماس والأطراف الأخرى، من أجل معاودة الحوار غير المرفوض من قبل الجميع، وإنهائه خلال أسبوعين، قبل أن يصدر مرسوماً بتحديد موعد الانتخابات المبكرة في حال فشل الحوار، أو العودة عن قراره في حال نجح الحوار.

اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي اجتمعت يوم الاثنين الماضي السابع من الشهر، اعتمدت قرار الرئيس، واعتمدته أيضاً لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية في غزة، والتي حصلت على موافقة مبدئية من قبل الرئيس عباس ورئيس الحكومة هنية، على أن يجلس الجميع إلى مائدة الحوار خلال وقت قريب في إطار حوار شامل، تحضره كافة الفصائل، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني.

الحوار يناقش ورقة عمل كانت أعدتها لجنة المتابعة العليا وتتضمن ثلاث مراحل، الأولى تستهدف تهيئة المناخات الإيجابية عبر جملة من الإجراءات العملية التي تتصل بإنهاء المظاهر المسلحة، وسحب المسلحين، ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة، والأهم بتشكيل لجنة قضائية مستقلة، تتمتع بالصلاحيات، للتحقيق في جملة من الأحداث السابقة. المرحلة الثانية تتجه نحو مناقشة تشكيل حكومة وحدة وطنية استناداً إلى الكفاءة والنزاهة، وبمشاركة مختلف الكتل النيابية، والمستقلين وتعتمد على وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) ومنها وعلى أساسها تقوم الحكومة باشتقاق برنامج سياسي متوازن.

في سياق هذه المرحلة، قدمت الوثيقة أو الورقة اقتراحاً بإسناد الحقائب السيادية المختلف عليها (الداخلية، الخارجية، المالية والإعلام) إلى شخصيات مستقلة يتم التوافق عليها.

المرحلة الثالثة من الحوار حسب ورقة لجنة المتابعة تتصل بمناقشة وتفعيل اتفاق القاهرة بشأن إعادة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق آليات واضحة ومتفق عليها.

حركة حماس أبدت رغبتها بأن يتم الحوار بين وفدين من حماس وفتح برئاسة كل من إسماعيل هنية ومحمود عباس، في بلد عربي وبرعايته، غير أن الاتجاه العام يسير وفق الوجهة التي يؤيدها الجميع وهي إجراء حوار شامل بمشاركة الجميع في قطاع غزة، الأمر الذي يقطع الطريق على أية وساطات أخرى خارجية ثبت من خلال التجربة أنها قادرة على المساعدة لكنها غير قادرة على معالجة الأزمة.

منذ بدء الجولة الجديدة من الحوار، حتى أسبوعين، بعد ذلك سيظل الفلسطينيون مشدودي الأعصاب، فإما أن تنتهي المدة، بتدشين مرحلة جديدة من التوافق الوطني الذي لا ينهي بالضرورة الصراع على السلطة، وإنما ينقله إلى أشكال أخرى، وإما أن ينزلق الفلسطينيون في أتون اقتتال داخلي مدمر. وخلال الأسبوعين المحدودين لإنجاز الحوار يحتاج الفلسطينيون إلى تدخلات ومساعدة أشقائهم العرب، وبكل الوسائل التي يمكن أن تمنع الانهيار، غير أن الأمر متروك للمبادرات، فمتى يتحرك العرب؟

كاتب فلسطيني