مع تزايد الوعي الاجتماعي لدى كثير من الأسر النووية الصغيرة والتي بدأت تتحدد معالمها داخل محيط مجتمع الإمارات، اتجه البعض من هذه الأسر إلى تحديد النسل بحيث لا يتعدى عدد الأبناء أصابع اليد الواحدة، مما دفعهم إلى التركيز على تقديم نوعية مختلفة من التعليم والخدمات الصحية والترفية لأبنائهم يمكن أن تصنّف بالجيدة.
وأصبحت فكرة ترشيد «النمو الديموغرافي» لسكان دولة الإمارات الأصليين هاجساً لدى البعض الذي يتبنى هذه السياسة الإنجابية بصورة غير مقصودة متعللاً بالوضع المادي أو برغبته في بلورة مستقبل أفضل لأبنائه، وربما لا يختلف اثنان على أن الإعداد الجيد للأبناء تربية وتعليماً يمكن أن يبشر بجيل ناهض واعٍ يصبح معه الاستثمار أجدى وأنفع.
لكن المتتبع للنمو السكاني لدولة الإمارات سيتلمس بعض الحقائق والتداعيات التي تصل إلى حدود مفزعة، حين نتأكد من خلال المعلومات المتاحة أن هناك نمواً مطرداً وهائلاً في عدد السكان حيث بلغ عام 2002 حوالي 7 ,3 ملايين نسمة مقابل 5 ,3 ملايين نسمة عام 2001 مسجلاً بذلك معدل زيادة قدره 7 ,6 بالمئة، أما في عام 2004 فبلغ عدد سكان الإمارات العربية المتحدة 000 ,300 ,4 ملايين نسمة، الأمر الذي يعطي انطباعاً عاماً أن الزيادة المطردة تعبر عن تزايد حجم الأسرة الإماراتية.
في حين يدرك العارفون أن الزيادة تعود إلى هجرة منظمة تصب على دولة الإمارات تحت غطاء العمل أو الاستثمار، وتتربع دولة الإمارات على القمة بالنسبة لدول غرب آسيا من حيث نسبة المهاجرين إلى سكانها، حيث احتلت عام 2002 المرتبة الأولى وبلغت النسبة 74 في المئة حسب تقرير الهجرة الدولية، وفي أرقام غير رسمية تشير إلى أن النسبة ارتفعت إلى أكثر من ذلك.
ويعد موضوع الهجرة الدولية من الموضوعات التي بدأت تأخذ أبعاداً مقلقة في كثير من البلدان ولا سيما حين تكون الهجرة متعاظمة عاماً بعد عام لما تنطوي عليه من نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية الأمر التي يؤدي إلى استنزاف حقيقي لموارد ومكتسبات السكان الأصليين في ظل سياسات مفتوحة غير مقننة أو مقيدة بشروط.
ومع تنامي المشروعات الاستثمارية العملاقة في دولة الإمارات أغرت الكثير من سكان العالم إلى اعتبار الإمارات الوجهة المفضلة لديهم للاستثمار أو حتى للإقامة الدائمة، لما توفره من تسهيلات وخدمات على أعلى المستويات وربما بأفضل الأسعار وأصبح التنوع الديموغرافي سمة من سمات سكان دولة الإمارات ومن الطريف أن اعتبره البعض فرصة نادرة أمام الباحثين في مجالات الطب للنهل من هذا التنوع الكبير المختزل في نطاق جغرافي صغير.
ولعل الهجرات الجماعية التي تخللت مسامات المجتمع الإماراتي وأصبحت تزاحم المواطن حتى في أحلامه وفي دقائق يومه وتشعره أحياناً بالوحدة المفرطة قد وجدت لها من يشجعها ويدعمها ويقدم التسهيلات لإنجاحها، في حين أن بعض البلدان النامية التي تعيش ظروفاً مشابهة قد دقت ناقوس الخطر بخاصة لما لها من آثار سيئة على البيئة والتنمية ناهيك عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية وفي الآفاق آثار سياسية أصبحت وشيكة خاصة بحقوق العمال المهاجرين.
بل أن المتتبع للتقارير العالمية سيصطدم بمعلومة تفيد أن معدل استهلاك الفرد من سكان دولة الإمارات العربية المتحدة لموارد الأرض يفوق مثيله في الولايات المتحدة وفنلندا وكندا حسب ما جاء في تقرير الصندوق العالمي لحماية الحياة البرية.
والأكثر صدمة أن تأتي دولة الإمارات لتحتل المرتبة الأولى مرة أخرى بين الدول التي يسجل سكانها في المعدل أكبر أثر بيئي، هذا التسارع المطرد بلا شك يترك آثاره السلبية ويساهم في عكس صورة غير مرضية عن الدولة في الخارج، ويحرق المراحل متجاوزاً عمقاً لا يمكن السكوت عنه يتعلق بحقوق الأجيال القادمة التي ستخرج دون أن تجد لها منفذاً بعد أن تسوّرت البسيطة بالبنايات الشاهقة، واستنزفت موارد الطاقة والموارد الطبيعية الأخرى.
وفي خضم هذه الآثار نجد أن هناك العشرات من البحوث والدراسات التي ركزت على حلول عملية لإدارة ومعالجة هذا النمو السكاني الذي فاق الخيال، ونتوقع من المعنيين بالأمر أن يبدأوا في تبني سياسة تحد من الهجرة الخارجية وتشجع في الوقت نفسه على النمو السكاني للمواطنين بالتشجيع على الإنجاب، بخاصة في ظل الخدمات الصحية الرفيعة التي تراعي صحة الأم والمولود وهذا ما لا يتوافر في كثير من الدول النامية، إضافة إلى تشجيع هذه السياسة من خلال رفع نسبة الدعم المادي المخصص للأبناء حتى يستطيع رب الأسرة مواجهة الغلاء المستشري ويمكّنه من تعزيز هذا التبني لسياسة الإنجاب دون أن تراوده الكوابيس فيما يتعلق بمستقبلهم.
ما يثير الاستغراب في حالة دولة الإمارات أن يكون المواطن أول من يراعي عملية تحديد النسل في حين نجد أن الكثير من الأجانب يطلقون العنان لعملية التكاثر وأصبح مألوفاً أن ترى هذه الأسر الكبيرة التي تدعوك للتساؤل عن كيفية تصريفها لأمور حياتها في ظل المستوى المعيشي المرتفع، بل الظاهرة التي بدأت بالتفشي الآن هي الهجرة الجماعية لعائلات كبيرة تفد على الدولة هرباً من الوضع المتردي في بلدانها دون أن تفكر في كيفية التأقلم مع ظروف البلد مما يضطرها بعد فترة إلى الاستجداء من الآخرين وهذا ما حصل مع الكثير من الذين استوطنوا الدولة منذ عشرات السنين واغلبهم من الجنسية الآسيوية الذي لا يملك بعضهم شهادة ميلاد أو أي مستخرج رسمي يثبت انتمائه لبلده الأم.
إذن لابد أن يرتبط أي تحرك لمواجهة هذه التغيرات الديموغرافية ذات القفزات الهائلة بسياسة خارجية وداخلية في الوقت نفسه، فليس كل مستثمر مفيد للبلد وليس كل زائر يستحق الإقامة الدائمة، الأمر الذي يتطلب شروطاً وقوانين تبحث في خلفية هذا القادم على أساس نوعي سواء من جانب الخبرات أو الشهادات وليس مجرد أناس أميين يدلفون إلى البلد للبحث عن فرص متواضعة للعيش، إضافة إلى ضرورة التدقيق في أوراق كل الذين دخلوا إلى البلاد تحت مسميات رجال أعمال وأسسوا مافيات تجارية غير مشروعة أو باحتراف عمليات النصب والاحتيال، وساهموا في تشويه سمعة الوطن.
أخيراً نحن بحاجة لنمو ديموغرافي يتسم بالذكاء يخدم مصالح البلد، ويتناسب في ذات الوقت مع سياسة تأمين مصالح أجيالنا القادمة، فهل نحفظ الأمانة؟
كاتبة إماراتية