بدأت قوافل الحجاج بالقفول، وأخذت سماؤنا منذ أيام تمطر نِثارا -وهو ما يُعرف بالنّثُور باللهجة المحلية-؛ ففرحة عودة الحجاج التي تغمر مئات البيوت في البلاد تتقافز ما بين الأرض والسماء، ويشترك فيها الجميع دون استثناء، حتى يبدو وكأن حجّاجَنا خرجوا من كل البيوت وعادوا إلى كل البيوت أيضا، لأن الفرحة بهم، وبعودتهم من الأراضي المقدسة ليست مقتصرة على أهلهم وذويهم فقط، بل هي فرحة عامة، تشمل جميع أفراد الحي، أو المنطقة التي يعود أحد أبنائها بعد أداء فريضة الحج.

وهذه الفريضة تحظى بمكانة متميزة في نفوس المسلمين في مختلف أنحاء العالم، إذ تهفو القلوب إليها من عام لعام، ويتمنى كل منّا أداءها لإتمام أركان الإسلام، ولكن كم واحد من بين هذه الملايين الحاجّة سنويا، ومن الملايين التي تريد الحج ولم تستطع إليه سبيلا بعد، يدرك الدلالات التي تتضمنها هذه الفريضة؟ وكم واحد ممن حجّوا فعلا عاد متخفّفا من الذنوب والخطايا، أو متخلّصا منها.. كما ولدته أمّه؟

يبدو -أولا- أن تصور الكثيرين عن الحج فيه قدر كبير من القصور، إذ يعتقد البعض أن الحج هو آخر ما يجب على المسلم -الذي يستطيع إليه سبيلا- أداؤه من الفروض، مع أن الحج ليس نهاية بل هو البداية. وبسبب هذا التصور القاصر يؤجل الكثيرون أداء فريضة الحج حتى يصلوا إلى محطات متأخرة من حياتهم، وربما لأجل هذا السبب ارتبط الحج عندنا -بلا وعي- بكبار السن، وبالشيوخ والعجائز، في حين أن التصور الصحيح عن الحج يجب أن يتحرر من هذه النظرة القاصرة التي تربطه بآخر العمر، وبالرغبة في أن يتخلص الإنسان من ركام الذنوب والخطايا التي تجمعت في سنيّ عمره الأبيض وأحالته سوادا.

الحج هو بداية الحياة المستقيمة، وليس نهاية الحياة المعوجّة، وأداء هذه الفريضة في وقت مبكر من عمرنا يعطينا فرصة إصلاح ذواتنا وتهذيبها وتقويم معوجّها. كما أن أداء هذه الفريضة يزودنا بزوّادة روحية وقيمية نظل نعبّ منها خلال سنيّ حياتنا المستقبلية القادمة، وتمثل لنا مرجعا لكثير من السلوكيات التي يغفل عنها آخرون لم يؤدوا هذه الفريضة، أو أدّوها في عمر متأخر، أو أدّوها دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة تأملها واكتشاف مكنوناتها.

أضف إلى هذا أن قدرة الإنسان وهو في مقتبل عمره على القيام بشعائر الحج جسديا تكون أكبر منها وهو في آخر العمر. كما أن قدرته على تصحيح المفاهيم الخاطئة لبعض الشعائر، والاستجابة لإرشادات الدعاة وتوجيهات الوعاظ تكون أفضل كلما كان الحاج أصغر سنا، إذ عندما يكبر تكبر معه مفاهيمه الخاطئة وتترسخ أكثر مع ازدياد ثقته بنفسه وبمعرفته، ويصعب كثيرا تصحيحها حينئذ.

ومن الضروري التذكير بأن الحج ليس هدفا بل هو وسيلة؛ فكثير من الناس يريد أن يحج، لأن الحج في نظره الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو يريد أن يلقى وجه ربه وقد أكمل أركان دينه، ويكون كل همّه هو أداء هذه الفريضة والانتهاء منها، ولكن التفاصيل الدقيقة المتضمنة فيها لا تهمه، كما لا يهمه على أي وجه يؤديها، المهم فقط أن ينتهي من أداء مناسكها وشعائرها.

وإذا سألت أحدهم عن سبب حجه فلن يزيد عن قوله إنه يريد أن يتم أركان دينه، أما لو سألته عما استفاده من هذه الرحلة الروحية في الأراضي المقدسة فلن يتجاوز رده حدّ الفوز بثواب الله، والعودة كما خلقته أمه خاليا من الذنوب والخطايا، دون أن يهتم بتفاصيل هذا الكلام العام، ولا بكيفية تحقيقه، ليعود كما كان قبل حجه، لم يتغير فيه شيء سوى أنه اكتسب كلمة (الحاجّ) قبل اسمه فقط.

إن أداء فريضة الحج لا يحقق الغايات والأهداف المرجوّة من هذه الفريضة إذا كان يقف عند حدود الذهاب إلى الأراضي المقدسة، وأداء المناسك، والعودة إلى الديار بلقب (حاج)؛ فهناك الكثير من الفوائد المتضمنة في الحج لا يهتم بها كثير من الحجاج، ولذلك يعودون كما ذهبوا، محملين بذنوبهم القديمة نفسها، وربما زادوا عليها ببعض الممارسات والسلوكيات الخاطئة التي كان يجب عليهم أن يتجنبوها خلال موسم الحج نفسه، في الأراضي المقدسة التي تفرض حرمتُها على زوّارها سلوكا معينا لا يليق بهم تجاوزه أثناء وجودهم فيها، وكذلك بعد عودتهم منها بتأثير ما غرسته شعائرها في نفوسهم.

ولعل أسوأ ما يمكن أن يحدث في الحج هو عدم قدرة الحاج على السيطرة على نفسه ومراعاة وجوده في فضاء مكاني وزماني مختلف عن غيره؛ فالمكان هو الأراضي المقدسة، والزمان شهر حرام، ومن الواجب على الحاجّ أثناء فترة الحجّ أن يكبت قوى الشر في نفسه، ولذلك قال الله تعالى: «الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهنّ الحجَّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله{ (البقرة 197)

ومن أجمل ما قرأت في تفسير هذه الآية ما ذكره الدكتور مجدي الخواجي في كتابه (هكذا علمني الحج) -مستعينا باجتهادات بعض المفسرين-: «ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص في قوله سبحانه «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج{؟ وقد اجتهد في الإجابة على ذلك بعض المفسرين، فذكر بأنه ثبت أن الإنسان فيه قوى أربع: قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية.

والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث، يعني: الشهوانية والغضبية والوهمية؛ فقوله سبحانه: «فلا رفث{ إشارة إلى قهر القوة الشهوانية، وقوله: «ولا فسوق{ إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب، وقوله: «ولا جدال{ إشارة إلى قهر القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في أحكام الله وصفاته وأفعاله، وهي باعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم، والمخاصمة في كل شيء».

ومن الطبيعي وجود فئة من الحجاج قد فاتتها هذه الجوانب المهمة في فريضة الحج، إلا أن نسبة الوعي بين حجاجنا تتزايد عاما بعد عام، بجهود الجهات المختصة التي تنظم المحاضرات التوعوية، وتساعد الحجاج على أداء هذه الفريضة على أقرب وجه للتمام والقبول بإذن الله. وتظلّ فرحة الحجاج وذويهم بأداء هذه الفريضة أكبر بكثير من كل ما يمكن أن يُقال، كما ستظلّ لموسم الحج أجواؤه الروحانية الخالصة، التي تسمو على مستوى الكلام والأفعال. تقبل الله من جميع حجاجنا وحجاج المسلمين طاعتهم، وأعاد من لم يعد منهم إلى أهله سالما.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com