عندما كان «ألكسندر جراهام بل» يجري أول مكالمة هاتفية في تاريخ البشرية عام 1876 كانت نوكيا تصنع الورق والمطاط. بهذه الكلمات افتتح «بوب لانوتشي» مدير مركز نوكيا للأبحاث كلمته التي ألقاها بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيس المركز، حيث تحولت نوكيا التي تأسست عام 1865 على ضفاف نهر «نوكيا نفرتا» في فنلندا من شركة لتصنيع الورق والمطاط إلى إحدى أكبر شركات الهواتف والاتصالات في العالم خلال أكثر من مئة وأربعين عاماً، واليوم تستحوذ الشركة على أكثر من 36% من سوق الهواتف المحمولة في العالم.

ليس ذلك بغريب في بلد تضع حكومته سياسات العلوم والتكنولوجيا - أو البحث والتطوير بمصطلح آخر - على رأس أولوياتها التنموية، فحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تبلغ نسبة الصرف على البحث والتطوير في فنلندا 5,3% من الناتج المحلي الإجمالي وهي من أعلى النسب في العالم.

حيث يساهم القطاع الخاص بنسبة 68% والحكومة بنسبة 29% أما النسبة الباقية فتأتي من مصادر خارجية، إلى جانب ذلك وضعت الحكومة نظاماً لتنمية البحث والتطوير أطلقت عليه اسم «نظام الابتكار الفنلندي» حيث تتولى ست جهات حكومية مهمة تفعيل هذا النظام وعلى رأسها مجلس سياسات العلوم والتكنولوجيا الذي يترأسه رئيس الوزراء والذي تقع على عاتقه إدارة هذا النظام وتقديم الاستشارات اللازمة إلى مجلس الوزراء فيما يتعلق بشؤون العلوم والتكنولوجيا.

وتعنى وزارة التعليم بسياسات العلوم، أما وزارة التجارة والصناعة فتقع على عاتقها سياسات التكنولوجيا، بالإضافة إلى الأكاديمية الفنلندية ومؤسسة التكنولوجيا الوطنية Tekes ومركز الأبحاث والتكنولوجيا VTT الذي يعد أكبر مركز للأبحاث في شمال أوروبا.

ولا تقتصر مسؤوليات تنشيط أعمال البحث والتطوير على هذه الجهات فقط، بل إن معظم الجامعات والمعاهد المهنية التي تزخر بها فنلندا تحمل على عاتقها مسؤولية المشاركة في هذه الأبحاث لتنمية الاقتصاد أولاً ولتحقيق تنمية اجتماعية مستدامة ثانياً.

لذلك نرى أن عدد الموظفين العاملين في مؤسسات ومراكز البحث والتطوير في فنلندا قد قفز في العقد الأخير من 40 ألفا إلى 80 ألف موظف، كما تضاعف عدد حاملي شهادات الدكتوراه الذين استطاعوا بفضل الدعم الحكومي المخصص لهم من الخوض في معظم مجالات العلوم والتكنولوجيا، حيث يحصل طالب الدكتوراه في فنلندا على راتب كامل أثناء إعداده لرسالته، وإذا نظرنا إلى إحصائيات وزارة التعليم فإننا سنجد أن واحدا من كل ثلاثة حاصلين على الدكتوراه لم يبلغ الثلاثين من عمره بعد.

أما وزارة التعليم فإن دورها أكبر من تقديم دروس يومية للطلبة، فهي مسؤولة أمام الحكومة عن تنمية وتطوير العديد من المجالات العلمية في الدولة، وهي أيضاً إحدى الجهات المسؤولة عن المكانة التي تحتلها فنلندا سنوياً في تقارير التنافسية العالمية التي تصدرها جهات مثل «منتدى الاقتصاد العالمي» وذلك عن طريق زيادة النسبة التي تخصصها من ميزانيتها السنوية لتشجيع البحث والتطوير لنشر هذه الثقافة لدى كافة مؤسسات المجتمع وأفراده، وعن طريق التنسيق مع مؤسسات القطاع الخاص والجامعات والمعاهد المهنية ومراكز الأبحاث لزيادة عدد اتفاقيات البحث بين هذه الجهات.

إلى جانب ذلك فإن الوزارة معنية بتوفير البنية التحتية الصلبة لبرامج التدريب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والسعي إلى إيجاد مراكز للتميز سواء في القطاع الحكومي أو الخاص. وأهم السياسات التي تضطلع بها الوزارة هي تلك المتعلقة «بتسويق» نتائج الأبحاث التي أجرتها الجامعات والمراكز المتخصصة لإيجاد داعمين من القطاع الخاص يتبنون هذه النتائج ويخرجون إلى السوق بمشاريع أو منتجات أو خدمات جديدة.

أما وزارة التجارة والصناعة فإن مهامها المتعلقة بتنمية وتفعيل قطاع التكنولوجيا تتمثل في تنشيط وتحفيز التنافسية بين شركات التكنولوجيا لإيجاد اقتصاد قائم على ابتكار التكنولوجيا وتصنيعها وليس استهلاكها فقط، وذلك من خلال تبني الأبحاث التكنولوجية المتميزة والسعي إلى إيجاد مستثمرين ناشئين لتوظيفها في مؤسساتهم الغضة التي قد تتمكن بفضل هذه النتائج من تحقيق نمو مطرد. كما تقوم الوزارة بالتعاون مع المؤسسات الأوروبية المثيلة لها بتشكيل شبكات عمل تضم الباحثين والمستثمرين في التكنولوجيا في دول الاتحاد الأوروبي لتبادل الخبرات وإطلاق برامج ومشاريع مشتركة.

لا غرو أن تتحول نوكيا في هذه البيئة من شركة مصنعة للأوراق إلى إحدى أكبر شركات الاتصالات في العالم، ولا عجب أن يعمل 36% من موظفيها في مركز نوكيا للأبحاث الذي ينتشر في 11 بلداً ويضم أكثر من 21 ألف موظف. لقد استطاعت نوكيا التي تصرف 825 ,3 مليارات يورو سنويا على البحث والتطوير أن تتقدم سباق التميز الذي ترتاده شركات عالمية مثل موتورولا وسوني اريكسون وغيرها.

حيث وضعت نوكيا ولا تزال قواعد للعديد من الحلول التكنولوجية التي بنت عليها الشركات الأخرى منتجاتها وبرامجها، إلى أن أصبحت من أشهر الماركات العالمية، أما على المستوى المحلي فإن نوكيا هي أكبر شركة في فنلندا بلا منازع وهي الشركة التي يعتبرها الفنلنديون إحدى رموزهم الوطنية التي أعطت لبلدهم مكاناً على خارطة الاقتصاد العالمي، ولذلك فإنه عندما تعرضت نوكيا لأزمة مالية في أواخر الثمانينات أقدم مديرها التنفيذي على الانتحار حتى لا يواجه الناس بالعار الذي لحق به.

قد يبدو مفهوم البحث والتطوير في بلداننا العربية مبهماً نوعاً ما، وقد ينظر إليه الكثير على أنه مجموعة أبحاث في العلوم الإنسانية كالسياسة والأدب والدين وغيرها تكتب ثم تعرض في المؤتمرات والندوات ومن ثم يرمى بها في الأدراج، إلا أن الأبحاث هي التي جعلت من الدول المتقدمة ما هي عليه الآن، وأثرها يقاس بارتفاع مجموعة من المؤشرات منها على سبيل المثال لا الحصر:

ـ نسبة الحاصلين على الشهادات العليا.

ـ نسبة الشركات الوطنية في مجالات «تصنيع» التكنولوجيا.

ـ نسبة الشركات الصغيرة والمتوسطة في السوق.

ـ نسبة المواطنين في شركات التكنولوجيا، على أن يعملوا في مجالات الاختراع أو تطوير حلول جديدة.

ـ نسبة صادرات الدولة من المنتجات التكنولوجية.

ـ نسبة المنتجات الجديدة التي تنتهجها الشركات الوطنية سنويا.

ـ عدد براءات الاختراع السنوية للدولة.

لقد أيقنت الحكومة الفنلندية أن طريقها إلى العالمية ليس صعباً ولكنه ليس مفروشاً بالورد أيضاً وخصوصاً عندما اختارت الولوج إلى التاريخ من باب العلم، فانكبت منذ عشرات السنين على تطوير البنية التحتية لعدد من المجالات العلمية أهمها الاتصالات، فكان إطلاق تكنولوجيا GSM التي يستخدمها أكثر من ملياري شخص حول العالم من فنلندا، وكان رئيس وزرائها أول من أجرى اتصالاً هاتفيا باستخدام هذه التقنية عام 1991.

عندما اكتشف «ألكسندر فلمنج» البنسلين عام 1929 لم يلتفت أحد إليه حتى أتى الباحثان البريطانيان «هوارد فلوري» «وأرنست تشين» وأعادا نفس تجاربه على المرضى عام 1940 ليثبتا للعالم أن هذا العقار مهم للبشرية... عندها قامت الحكومتان الأميركية والبريطانية بدعم هذا الاكتشاف الذي كان له أثر كبير في تخفيف آلام جرحى الحرب العالمية الثانية، ولو أن هذا «البحث» لقي دعما خلال الإحدى عشرة سنة التي أهمل فيها لساهم بالتأكيد في إنقاذ ملايين الأرواح.

Yasser.hareb@gmail.com