تلقينا تصريحات معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي التي أعرب فيها عن شكوكه في إمكانية استحداث مصرف مركزي موحد لدول مجلس التعاون الخليجي، ومن قبل، إعلان سلطنة عمان تشككها في الجدول الزمني لإطلاق العملة الخليجية الموحدة والتي من المخطط أن تبصر النور في عام 2010، تلقينا هذه التصريحات، وبدأنا في ممارسة لعبة التكهنات والتصورات التي لا علاقة لها بما يدور على أرض الواقع، بنسج الخيالات عن أن هناك ثمة أشياء يجري طبخها في الكواليس، وأن هذه التصريحات ليست سوى مرآة عاكسة لقمة الجليد الطافية والتي يقبع تحتها تقيحات وبثورات، وأن الأمر برمته يندفع نحو الإخفاق والإخفاق في إقامة مثل هذه الوحدة النقدية.

نحن نندفع نحو هذه الأحكام ليس كوننا نؤيد أو نعارض إقامة وحدة نقدية تجمع الدول الخليجية الست، ولكن لكوننا لم نعتد على ممارسة أصول الاختلاف والتوافق، فما نعرفه هو الذوبان والانصهار والتوحد حتى لو كان من قبيل الشكليات الخارجية، ولم نجرب ممارسات التنوع والاختلاف في وجهات النظر، وبالتالي، صرنا نحكم على الأشياء من واقع الثنائيات التي تسيطر على مخيلتنا، فإما أن تكون الأمور ناصعة البياض أو حالكة السواد، ولا مجال للمساحات الرمادية التي تحمل التنوع والاختلاف.

نحن اعتدنا على حجب اختلافاتنا وراء أسياج السرية والكتمان، بل واعتاد المواطن العادي أن يكون في موقع المتفرج على شكليات الوئام والتوحد والانسجام، وأن يكون هو آخر من يعلم، ولهذا يصاب بالدهشة عندما يتابع على التلفاز مشاهد تطاير المقاعد خلال الاجتماعات الرسمية، وتبادل أبشع ما يمكن أن تخرج به قواميس اللغة العربية من مفردات ومصطلحات.

وعندما نتحدث عن الوحدة النقدية، يبدو منطقياً أن تتباين وتتنوع وجهات النظر، فهذا جزء أصيل من ممارسات التوافق، حيث أن لكل طرف قاعدة من المصالح والاهتمامات، وبالتالي، يصير من طبائع الأمور هو أن تطرح وجهات النظر هذه على الملأ، ويكون الحوار والابتكار في وضع أفكار قابلة لأن تتعايش معها التباينات والاختلافات، الآلية المنطقية للوصول إلى تسويات تكون موضع توافق بين مختلف الرفقاء على اختلاف مشاربهم ومصالحهم، فهذا هو الأساس الذي تنهض عليه عملية التوافق.

وإذا ما شئنا إقامة وحدة نقدية تتمتع بالقدرة على البقاء والاستمرار، فإنه يجب أن يعتاد الرأي العام على ثقافة التنوع والاختلاف، وأن يكون طرفاً مشاركاً، إذ أن هذه الوحدة لا تخص الحكومات فحسب، بل تخص كل الفئات والمستويات، حيث إنها ستمس حياتهم العملية في الصميم، ومن ثم، يجب أن نعتاد فكرة التنوع في وجهات النظر، ويجب النظر إلى هذا التنوع على انه القاعدة وليس الاستثناء، وذلك حتى لا يتبين لنا في يوم من الأيام أن ما قيل لنا عن التوحد والتوحيد والانصهار والذوبان والعمل الجماعي مجرد أوهام موجودة في مخيلتنا فقط.