رابطة الدول المستقلة التي أعلن عن تأسيسها في الواحد والعشرين من ديسمبر عام 1991 أي بعد أسبوعين فقط من انهيار الاتحاد السوفييتي في الثامن من ديسمبر، ضمت في عضويتها اثنتي عشرة جمهورية، وهي جميع الجمهوريات السوفييتية السابقة باستثناء جمهوريات البلطيق الثلاث (استونيا ولاتفيا وليتوانيا)، ولم يكن الهدف من تأسيسها تشكيل تحالف أو تنظيم جديد يرث الاتحاد السوفييتي بل كان الهدف بعيدا عن ذلك تماما، حيث كان زعماء وقادة هذه الجمهوريات آنذاك يرفضون تماما أي شكل من الترابط والتعاون والتكامل بينهم وكانوا جميعهم يطمحون للاستقلالية التامة وفتح علاقات مع الغرب وواشنطن. إذا لماذا تأسست هذه الرابطة؟
الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة كثيرا بمبادرة الرئيس بوتن إعلان عام 2006 عاما للرابطة التي تشكلت في البداية ليس بهدف التكامل والتعاون بين الجمهوريات الأعضاء، ولكن بهدف تخفيف حدة آثار انهيار الاتحاد السوفييتي وقرار تفكيكه الذي وقع فجأة كالصاعقة على شعوب هذه الجمهوريات الذين ناموا وهم شعب واحد واستيقظوا ليجدوا أنفسهم غرباء وأجانب بالنسبة لبعضهم البعض، وكان الملايين منهم يعيشون حياة مستقرة في أراضي جمهوريات غير التي ينتمون إليها، حيث كان أكثر من ثلاثين مليون روسي مقيمين بشكل دائم في الجمهوريات السوفييتية الأخرى ومثلهم من الجمهوريات الأخرى يقيمون في مختلف الجمهوريات الأخرى.
وكان من الضروري الحفاظ ولو لبعض الوقت على آليات وروابط اجتماعية وإنسانية وأمنية كثيرة في فترة التحول حتى لا تعم الفوضى، وأيضا لتصفية إرث الدولة العظمى بشكل هادئ، أما الاستقلال السياسي فقد حرص قادة الجمهوريات على تنفيذه من اليوم التالي مباشرة لانهيار الاتحاد السوفييتي.
حاجة الشعوب أنفسها وليس الأنظمة الحاكمة هي التي استوجبت تأسيس الرابطة التي مضى على وجودها حتى الآن خمسة عشرة عاما لم تشهد فيها من التكامل والتعاون بقدر ما شهدت من خلافات ونزاعات وصلت لدرجة التهديدات بالصدام المسلح بين بعض الجمهوريات، وخاصة جمهوريات أذربيجان وأرمينيا في نزاعهما على إقليم ناجورنو كاراباخ، وأوكرانيا وجورجيا ومولدافيا بعد الثورات الملونة التي اندلعت فيهم في عامي 2003 و2004.
ووصلت لدرجة أن جورجيا هددت في مطلع عام 2006 بضرب الطائرات الروسية إذا اقتربت من مياهها الإقليمية وطردت القاعدة العسكرية الروسية من أراضيها وأبقت على القاعدة الأميركية، كما شهد العام 2006 خلافات حادة في مطلعه بين روسيا وأوكرانيا وصلت لدرجة تهديد روسيا بقطع الغاز عن أوكرانيا، كل ذلك وأحداث كثيرة أخرى مشابهة في العام الذي تقرر أن يكون عاما احتفاليا للرابطة بهدف الحفاظ على بقائها وتطويرها.
ولهذا كانت المبادرة الذكية من روسيا بأن تكون احتفالات عام الرابطة قاصرة على فعاليات شعبية تنظمها مؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات الشعبية بعيدا عن الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، وأجريت أكثر من خمسين فعالية في روسيا بمناسبة الاحتفال بهذا العام تضمنت حفلات ومنتديات فنية وثقافية ومؤتمرات شعبية ورحلات سياحية شاركت فيها أكثر من ثلاثمئة منظمة وجمعية مدنية من مختلف الجمهوريات.
فعاليات الاحتفال بعام الرابطة قصدت منها روسيا أن تثبت للأنظمة الحاكمة في هذه الجمهوريات أن الروابط الإنسانية والاجتماعية والثقافية بين شعوب الرابطة والموروثة من الحقبة السوفييتية مازالت قوية ومستمرة رغم الأهواء والميول السياسية لدى بعض الأنظمة الحاكمة، وأن روسيا التي احتضنت على أراضيها معظم هذه الفعاليات مصممة على بقاء الرابطة وتفعيلها وتطويرها لأن هذه هي رغبة شعوب الرابطة، ومن يريد غير ذلك من السياسيين فليحتكم إلى شعبه، وكانت جورجيا قد افتتحت العام 2006 بإعلانها نيتها الانسحاب من الرابطة، ولكن الحكومة عادت تحت الضغوط الشعبية في جورجيا لتعدل عن قرارها بالانسحاب.
لقد بات واضحا أن النظام الحاكم في جورجيا يسعى لخلخلة الأوضاع داخل الرابطة بهدف القضاء عليها بحجة أن روسيا تهيمن على الرابطة وتستخدمها لتحقيق أهدافها واستعادة نفوذها في الساحة السوفييتية السابقة، ولهذا سعت مع أوكرانيا لتأسيس منظمة من أربع دول من دول الرابطة تحمل اسم (جوام) وهي الأحرف الأربعة الأولى من أسماء هذه الدول جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدافيا، وأطلقت عليها وصف مجموعة الدول الديمقراطية، وأعلنت واشنطن في فبراير الماضي دعمها لهذه المنظمة، إلا أن أحداث العام 2006 أبطلت مفعول هذه المنظمة تماما بعد الانتخابات البرلمانية في أوكرانيا في شهر مارس والتي اكتسحتها المعارضة الموالية لروسيا وبعد زيارة رئيسي أذربيجان إلهام عالييف ومولدافيا فلاديمير فورونين لموسكو وتحسن العلاقات بينهم، الأمر الذي جعل جورجيا شبه وحيدة في مواجهة روسيا.
وكانت قمة مينسك في بيلا روسيا في أواخر نوفمبر الماضي تتويجا لجهود روسيا في لم شمل الرابطة ودعمها وتفعيلها وتتويجا لنتائج الفعاليات التي نظمتها روسيا على مدى العالم احتفالا بعام الرابطة 2006، وقد حضر القمة جميع زعماء الدول الاثنتي عشرة، بعضهم حضروا للقمة حرصا على دعم الرابطة وتفعيلها وبعضهم جاء خوفا من الغضب الشعبي داخل بلاده بعد أن ثبت خلال العام 2006 أن الشعوب تريد بقاء الرابطة وتشتاق كثيرا لعودة الروابط الإنسانية والاجتماعية والثقافية التي كانت تربطها ببعضها في زمن الاتحاد السوفييتي.
ولم يشأ الرئيس بوتن الذي اعتبر حضور الجميع انجازا كبيرا لجهود روسيا طيلة العام، لم يشأ بوتن أن يعكر صفو قمة مينسك بفتح ملفات الخلافات بل التقى على هامش القمة مع جميع الرؤساء بلا استثناء بمن فيهم الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي الذي خرج من لقائه مع الرئيس بوتن ليصرح للصحافيين بأن جورجيا تتطلع لعلاقات طيبة وقوية مع جارتها الكبرى روسيا وأنه يأمل أن تنتهي الخلافات بين البلدين في أقرب وقت، وصرح الرئيس بوتن للصحافيين قائلا: إن جميع الرؤساء في قمة مينسك بلا استثناء متفقون على ضرورة بقاء رابطة الدول المستقلة وتطوير وتفعيل دورها في كافة المجالات، وهذا ما سنعمل عليه جميعا في المرحلة القادمة.
إن قمة مينسك 2006 ستدون في التاريخ بأنها بعثت الحياة في رابطة الدول المستقلة في ظل الظروف الصعبة التي تواجهها، وأنها نجحت في الحد من سيطرة النزعات السياسية للأنظمة وفرضت المصالح الاقتصادية والأمنية والاجتماعية لشعوب دول الرابطة، والأولويات التي تفرض نفسها على دول الرابطة الآن هي مصادر الطاقة حيث نصف دول الرابطة بما فيهم جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا يعتمدون بشكل كامل على مصادر الطاقة الروسية.
بينما باقي دول الرابطة والتي تملك مصادر طاقة تعتمد على خطوط النقل الروسية لتصدير إنتاجها من النفط والغاز، ناهيك عن أن أكثر من 70% من تجارة جميع دول الرابطة الخارجية مرتبطة تماما بالسوق الروسية، ومعظم دول الرابطة تعتمد في أمنها الخارجي على القوات العسكرية الروسية، وكافة شعوب الرابطة مازالت تتحدث اللغة الروسية وتدرسها في مدارسها، ولهذا فالقرار في بقاء هذه الرابطة أو عدم بقائها يبقى لروسيا وحدها التي تستخدم ببراعة ورقة مصالح الشعوب في دول الرابطة للضغط على كل من تساوره نفسه من الأنظمة الحاكمة في الخروج عن إجماع الآخرين.
جامعة سيبيريا