من المهم جداً لغرض التعرف على مسارات السياسة الدولية الاطلاع على برامج وأهداف الأحزاب الكبيرة وآلية عمل المؤسسات السياسية في الدول العظمى صانعة القرار على المستوى العالمي. ولعل التعرف على طبيعة تركيب وآلية عمل المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهي الدولة الأهم في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق، يشكل مدخلاً ضرورياً للتنبؤ بمستقبل الأحداث ومساراتها. وتبرز أهمية ذلك لدى جميع دول العالم في سياق التخطيط الاستراتيجي لمستقبلها وذلك لغرض التحسب لردود الفعل المتوقعة سواء من حيث حجمها أو توقيتها الزمني.
تتوزع مراكز القوى في الولايات المتحدة بين رئاسة الجمهورية وبين الكونغرس الذي يتكون من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ. يضم مجلس النواب 435 عضواً ممن لهم حق التصويت إضافة إلى عدد آخر من المندوبين الذين لا يحق لهم ذلك، وهم الذين يمثلون مقاطعة كولومبيا التي تقع فيها العاصمة واشنطن ومجموعة جزر الساموا التي تقع في المحيط الهادي وجزيرة غوام وجزر الفيرجن. أما مجلس الشيوخ فهو مكون من مئة عضو، تُمثل فيه جميع الولايات الخمسين بشكل متساو، بعضوين لكل ولاية. وهناك انتخابات نصفية لمجلس النواب وثلثية لمجلس الشيوخ، فالدورة الانتخابية لمجلس النواب هي أربع سنوات ولمجلس الشيوخ ست سنوات.
ويشغل الرئيس الأميركي ونائبة أعلى مركزين وظيفيين في الولايات المتحدة، يليهما في الأهمية رئيس مجلس النواب الذي يعتبر الشخص الثالث في الدولة. وتسهم سلطة ثالثة في صناعة القرار بطريقة غير مباشرة عبر الضغوطات التي تمارسها على الرئاسة وعلى الكونغرس، وهي الرأي العام الأميركي الذي يعكس مواقفه من خلال عمل منظمات المجتمع المدني ومن خلال الحريات المدنية المتاحة للمواطن الأميركي، ومن خلال المؤسسة الإعلامية الهائلة القوة التي تلعب دوراً هاماً في صناعة الرأي العام وتهيئته فكرياً وسلوكياً للموالاة أو للمعارضة.
يحتوي القسم الثامن من المادة الأولى من الدستور الأميركي على صلاحيات وسلطات الكونغرس وأهمها : فرض الضرائب والموافقة على منح القروض وتنظيم التجارة مع الدول الأخرى وتنظيمها بين الولايات الأميركية نفسها، وصك العملة وإنشاء دوائر البريد والمصادقة على منظومة المعايير وإنشاء المحاكم وبناء وتعزيز القوات المسلحة وإعلان الحرب، وإصدار جميع القوانين التي تخدم المهام الموكولة إليه.
أما الرئيس الأميركي فهو وفق الدستور رئيس الدولة ورئيس الحكومة في الوقت نفسه، وقد نصت المادة الثانية من هذا الدستور على أن الرئيس هو القائد العام للقوات المسلحة، ووفق ذلك فهو يمتلك جميع السلطات المخولة لهذا المنصب، كما نصت المادة نفسها على أن من صلاحيات الرئيس التوقيع على جميع القوانين التي تصدر عن الكونغرس لتصبح نافذة المفعول، كما أن من صلاحياته اختيار وزرائه وإصدار العفو، و يقوم بإبرام الاتفاقيات مع الدول الأخرى وتعيين كبار الضباط والسفراء والقضاة بعد استشارة مجلس الشيوخ. وهكذا يحظى الرئيس الأميركي بصلاحيات واسعة وفق الدستور فهو منتخب مباشرة من الشعب. لقد مرت الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة أكثر من مرة بفترات يُفتقد فيها التناغم بين الرئاسة وبين الكونغرس.
ونشهد منذ الأول من يناير الجاري حالة مماثلة، فالرئيس جورج بوش الذي ينتمي إلى الحزب الجمهوري المحافظ قد فقد الأغلبية التي تمتع بها طيلة السنوات الست الأولى من حكمه، لصالح الديمقراطيين في الكونغرس في الانتخابات النصفية التي جرت في نوفمبر الماضي، وسوف نرى فيما تبقى من عمر الرئاسة الأميركية، وأمدها سنتان، صورة من صور الصراع داخل المؤسسة الأميركية تنعكس آثاره من غير شك على السياسة الأميركية خاصة ما يتعلق منها بالملف العراقي.
لقد قدمت إدارة بوش، حتى الآن، تنازلات هامة للديمقراطيين فقد استقال وزير الدفاع رامسفيلد، المسؤول الأول عن الملف العراقي، في ظروف لا يمكن أن تفسر إلا بكونه مجبراً على ذلك، وفعل الشيء نفسه جون بولتون، الوجه غير المقبول لدى الديمقراطيين كممثل للولايات المتحدة في منظمة الأمم المتحدة.
لا يخفي الديمقراطيون في مجلس النواب منذ أول اجتماع عقده الكونغرس الجديد معارضتهم الشديدة للمزيد من التورط في العراق، بل هم في الواقع كانوا ضد شن الحرب على العراق منذ البداية، ولكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون أن يتخلوا عن إسناد قواتهم العاملة في العراق.
لا شك أن صلاحيات الرئيس الدستورية كقائد عام للقوات المسلحة تسمح له بإرسال المزيد من القوات إلى العراق وهذا ما يرفضه الديمقراطيون ولكنهم غير قادرين على منعه من ذلك، إلا أن هناك قناة أخرى فعالة يمتلكها الكونغرس قادرة على شل يد الرئيس وهي صلاحياته في إقرار التخصيصات المالية لهذه القوات، مما يحجم إلى حد كبير من قدراتها في حالة تقنينها، ويعرض السياسة الأميركية إلى المزيد من الإحراج على المستويين المحلي والدولي. ولكن قيام الكونغرس بذلك هو في الحقيقة مخاطرة كبيرة ليس من المتوقع أن يقدم عليها الديمقراطيون، فهي بمثابة تخلٍ عن جنودهم في ساحة معركة صعبة.
يرى الرئيس الأميركي أن حل الأزمة العراقية يكمن في المزيد من التورط فيها، في حين يرى الديمقراطيون ان الحل هو البدء في الانسحاب المنظم خلال فترة لا تزيد على ستة أشهر، ويرى الرئيس أن استبعاد كل من إيران وسوريا عن أي دور في المحادثات حول الأزمة العراقية أمر ضروري، يرى الديمقراطيون عكس ذلك في تصريح لا يقبل اللبس أدلت به رئيسة مجلس النواب الجديدة نانسي بيلوسي.
وفق هذه المعادلة ليس هناك من خيار أمام ركني المؤسسة السياسية الأميركية سوى التوافق حول جميع القضايا المتعلقة بالمسألة الأكثر أهمية في أوساط الرأي العام الأميركي، وهي الحرب في العراق. ورغم أن التوافق هو لقاء في نقطة ما من الطريق بين الفرقاء للوصول إلى حلول لمشكلات قائمة ليس هناك إجماع على كيفية حلها، إلا أنه أتفاق يفقد فيه الفرقاء ميزات برامجهم. فالبرنامج السياسي لكل طرف هو رؤية متكاملة لمشكلة قائمة وحلول مقترحة لها، ويعمل التوافق على خلط أوراق مختلفة، قد تكون متعارضة، ليصنع منها منهجاً ضعيفاً في المحتوى والآليات. إن تحول إدارة بوش إلى إدارة توافق يفقدها ميزة القوة ويكسبها خصائص الضعف، وهذا ما نتوقع أن نراه في السنتين المقبلتين من رئاسة جورج بوش.
لم يعد خافياً أن بنود التوافق قد وضعت مسبقاً في التقرير الذي أعدته مجموعة دراسة العراق التي ترأسها كل من جيمس بيكر ولي هاملتون والتي ضمت ممثلين بعدد متساو من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهذه البنود لا تسمح للرئيس بتنفيذ بعض سياساته وإنما تعيقها. فقد أوصى التقرير، وهو ما يطالب به الديمقراطيون، بتحويل مهام القوات الأميركية في العراق، من مهام قتالية إلى مهام تدريبية للقوات العراقية. وهذه في الحقيقة دعوة إلى التغيير في استراتيجية الإدارة الأميركية لمواجهة الإرهاب العالمي، فالرئيس بوش يسوق حربه في العراق على أنها حرب على الإرهاب.
كما أن هناك أمراً آخر مهم جداً سوف يفت في عضد الرئيس الأميركي، فقد صرح غوردن براون الزعيم العمالي المتوقع ترؤسه لحزب العمال وللحكومة البريطانية خلفاً لتوني بلير المتوقع تنحيه عن موقعه خلال الأشهر القليلة المقبلة، بأنه سينتهج سياسة أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة مما يعني المزيد من العزلة للرئيس الأميركي، فالدور الذي لعبته بريطانيا في الحرب على العراق لم يقتصر على المساهمة الفعالة في احتلال العراق وإنما بتوفير الغطاء الدبلوماسي والمعنوي الذي تمتلكه بريطانيا والذي وظفته لصالح سياسة الرئيس الأميركي.
لقد حصد العراقيون، ومنذ ما يقرب من أربع سنوات، الكثير من مرارة الاحتلال ودفعوا ثمناً باهظاً لم يدفعه شعب آخر من شعوب منطقة الشرق الأوسط بسبب التخبط الذي اتسمت به السياسة الأميركية في العراق والتي يرجع بعضه إلى الخلافات بين وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون حول أسلوب معالجة الملف العراقي. فما هو الثمن الذي سوف يدفعه العراق، الذي كُتب على شعبه الشقاء والمعاناة على أيدي أبنائه قبل أعدائه، بسبب الخلافات، هذه المرة، بين الرئاسة والكونغرس. وهل بقي لدى العراقيين ما يدفعونه، بعد أن أستبيح بلدهم وامتلأت مقابره وجفت مآقي أبنائه وحُفرت الخنادق العميقة بين مكوناته.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae