نعود هنا للإجابة على السؤال الذي طرحه البعض في الأيام الأخيرة والذي يقول: أليست أسوأ ديمقراطية أفضل من أية ديكتاتورية ؟

سؤال في اعتقادنا لا يخلو من سوء النية، ويلعب على أوتار معاناة الشعوب في بعض الدول من أنظمتها الحاكمة، ويكرس وصف بعض الأنظمة الحالية بأنها جزيرة من الديمقراطية وسط محيط من الديكتاتوريات المستبدة. وقد تعرضنا من قبل للحديث عن الديكتاتورية ومفهومها من الناحية الفلسفية العلمية وأيضا التطبيقية.

وأوضحنا أن المفهوم السائد عن الديكتاتورية بأنها الحكم الفردي الشمولي القمعي الاستبدادي الاضطهادي للشعب ليس صحيحا في الحقيقة، وأن الديكتاتورية وإن كانت هي احتكار للسلطة من قبل فرد أو فئة أو حزب أو نخبة فإنها ليست بالضرورة قمعية أو استبدادية أو مدمرة، وأوضحنا أن البشرية عاشت غالبية عمرها وتاريخها وأنجزت حضاراتها كلها على مر العصور حتى الآن في ظل أنظمة ديكتاتورية.

أما الديمقراطية فهي بالمعني الفلسفي من الكلمة اليونانية « ديما » أي عامة الشعب فهي حكم العوام أو كما وصفها بعض فلاسفة اليونان القديمة بأنها حكم «الديماجوج» أو الغوغاء، وهنا ليس سبا للشعب كشعب لكنه انتقادا لوضع السلطة في يد الشعب وتركه بنفسه يختار من يقوده أو يمثله عن طريق الاقتراع أو الاستفتاء أو المبايعة أو غيرها من أشكال الاختيار الشعبي.

و في عصرنا الحاضر يربطونها بصناديق الانتخاب، وكأن الشعب عن طريق الانتخاب قادر على اختيار الأفضل للحكم أو التمثيل، لكن للأسف لا أحد يسأل هنا عن أهلية الناخبين للاختيار ولا عن أهلية المنتخَبين للتمثيل، لا أحد يسأل عن الوعي السياسي لدى الشعب وقدرته على الاختيار الصحيح،.

ويتصور الكثيرون أن الشعب الذي يعاني من سلطة عليه بالانتخاب أن يختار غيرها، وهنا تكون المعاناة وحدها وليس الوعي هي معيار الاختيار، والمعاناة تدفع الجماهير لاختيار من يعد برفع هذه المعاناة، لكن غياب الوعي السياسي لا يجعل الجماهير تتساءل عن مقدرة هذا الناخب على رفع هذه المعاناة ولا عن الضمانات في عدم رفعها مقابل معاناة أخرى أكبر.

الديمقراطية ليست حكم الأغلبية بل هي حكم من تضعه هذه الأغلبية في السلطة، والأغلبية أو العامة من الناس لا تقبل بطبيعة ضعفها أمام السلطة أن تختار فردا منها ضعيفا أو عاديا بل تسعى لاختيار الأفضل والأبرز شكلا ومضمونا، تختار صاحب المواهب والإمكانيات الخطابية والشكلية المصبوغة شخصيته بكاريزما جذابة.

وهذه الشخصية تتحول بالطبيعة بعد اختيارها إلى شخصية أخرى مختلفة تحكمها أهواء السلطة فتدخل في صراع بين مصالحها الشخصية ومصالح العامة، خاصة إذا كانت هذه الشخصية منتخبة لفترة زمنية محددة لا تحتمل التخطيط والعمل الدؤوب لخدمة مصالح العامة من الشعب .

الشعب يندفع عن طريق صناديق الانتخاب إلى اختيار أسياده الجدد كما قال الفيلسوف الفرنسي دى توكفيل « إن الديمقراطية شكل من أشكال الاستعباد الاختياري»، فالشعب لا يختار الأفضل والأكفأ لإدارة الحكم بقدر ما يختار الأذكى والأدهى في خوض المعركة الانتخابية، وهذا الأذكى يكون أكثر ذكاء في الخداع وهو في السلطة، ويفعل كل ما يخدم مصالحه ومصالح المحيطين به باسم الشعب وباسم الديمقراطية .

في المجتمعات الديمقراطية لا توجد حدود لطموحات وقناعات الأفراد، الأمر الذي يخلق شكلا من الفوضى والسعي لتحقيق المصلحة الفردية على حساب مصالح الآخرين، الديمقراطية في الحقيقة تنمي النزعات الفردية ولهذا نجدها تنجح في المجتمعات الرأسمالية الاستهلاكية التي نجد فيها تفاوتا طبقيا كبيرا وفوارق واسعة بين الأغنياء والفقراء .

الديمقراطية تخلق طبقة من الأغنياء تجمعهم مصالح واحدة في مواجهة طبقة من الفقراء تلهث من أجل الصعود فتسقط أسيرة أحلامها، طبقة الأغنياء هذه هي التي تصنع بأيديها صناديق الانتخاب وتعطي الأوراق للفقراء ليختاروا من بينهم حكامهم ونوابهم ثم يعودون لمنازلهم ينامون راضين باختيارهم وحريتهم المزعومة، بينما يأخذ الأغنياء هذا الاختيار ليصبغوه بصبغة السلطة ويعموا عيناه بأضوائها ويوجهوه لتحقيق مصالحهم الخاصة التي غالبا ما تتناقض مع مصالح الشعب .

هناك فارق كبير بين حكومات تعمل « باسم الشعب» وحكومات تعمل «من أجل الشعب»، الأولى ممكن أن تضمنها الديمقراطية أما الثانية فلا ضمان لها إلا الوعي السياسي لدى كل من الشعب والحاكم ولا يهم هنا أن يكون النظام ديمقراطيا أو ديكتاتوريا أو ليبراليا أو تكنوقراطيا أو غيره من المسميات، فقط يجب أن يتوافر الوعي السياسي، وهذا الوعي هو الذي يجب أن نعمل من أجله إذا أردنا أن نبني المستقبل .

elmoghazy@hotmail.com