لا يعيب بعض الفلسطينيين أن يعترفوا بالآلام التي لحقت بهم من جراء الحصار الاقتصادي والمالي المضروب عليهم منذ صعود حركة حماس انتخابياً وتشكيلها لحكومة سلطتهم الوطنية. فلولا الوثوق في فعاليتها وبأسها، لما اعتمدت الأدوات الاقتصادية والمالية التي تشمل المنح والدعم أو المنع والمقاطعة، كواحدة من أهم أدوات السياسة الخارجة عموماً في دنيا العلاقات الدولية.
ثم إن شعوباً أخرى وحكومات سبق لها أن جأرت بالشكوى حين خضعت لمثل هذا الحصار وربما لأقل منه شدة واحتكاما، رغم استحواذها على موارد ذاتية وإمكانات للصلابة أكبر بكثير مما هو متاح للشعب الفلسطيني وسلطته الهشة تحت الاحتلال.
مع ذلك، لا يخدم بعض المتنفذين الفلسطينيين قضيتهم التحررية كثيرا، عندما يعظمون هدف كسر الحصار إلى مرتبة القضية الإستراتيجية ذات الأولوية القصوى، غاضين النظر عن الثمن المطلوب لتحقيقه؛ غير واعين للأضرار بعيدة الغور التي سيلحقها دفع هذا الثمن بأهدافهم الأصلية العليا، المتعلقة بطبيعة وحدود حقوقهم الوطنية أو حتى بسلمهم الأهلي.
للوهلة الأولى يبدو الحصار وكأنه رد فعل على «تطرف» حركة حماس ودوجمائيتها. وأن غاية المراد هو إجبار هذه الحركة و حكومتها على احترام واتباع «إرادة الشرعية الدولية» ومطالبها.. فإذا ما ارعوت حماس وانصاعت لهذه المطالب، فسوف يزول الحصار وتمضي حياة الشعب الفلسطيني قدماً وتستأنف عملية التسوية الفلسطينية بريح طيبة.
غير أن أمر الحصار، قياماً وقعوداً، وتداعياته الإستراتيجية بعيدة المدى والعمق ليس بهذه البساطة. إذ لن يكون هذا الأمر حدثاً عابراً بالنسبة لفلسفة تطويع الشعب الفلسطيني، قواه السياسية بصفة خاصة. فالرخاوة وسرعة الانثناء والانحناء أمام الحصار، التي راودت قطاعات فلسطينية معينة، بينها قوى تقع في صدارة الحركة الوطنية، ستخضع لمدارسات وقراءات معمقة لدى الطرف الإسرائيلي ومحازبية.
عندئذٍ، لن يصعب على هذا الطرف اكتشاف مدى قابلية الحالة الفلسطينية للانضغاط والاستضعاف، وصولاً إلى التنازع الداخلي تحت تأثير الشح الاقتصادي والمالي. وهذه حقيقة طارئة على الشعب الفلسطيني قياساً بتراثه ومحطات سيرته الكفاحية ضد المشروع الصهيوني وأدواته، وفي طليعتها الاداة الاقتصادية المالية.
نود القول بصيغة أخرى، ان الصراخ أولاً وعاجلاً الذي ربما أبدته طلائع سياسية فلسطينية وساقت خلفها جموعاً من الأتباع على الصعيد التنظيمي والمؤسساتي والشعبي، سيبلغ أنصار الحصار رسالة عن نجاعة أداتهم في تحقيق أهدافهم من الآن فصاعداً. وذلك على خلاف تقاليد الشعب الفلسطيني الذى خاض تجارب الضغوط والحصارات في مراحل سابقة من الصراع، دون أن يخضع لها بهذه الحيثية.
من ذلك كأمثلة وبلا حصر، ما حدث زمن الانتداب البريطاني، وقت أن سيق الفلسطينيون الى هاوية الفقر والعوز والبطالة حتى الجوع والعرى ولكنهم لم يقعوا فريسة اليأس ولاتخلوا عن أراضيهم عبر عروض البيع المغرية. ولذا فإنه على مدار ثلاثين عاماً من الأوضاع المزرية لم يتمكن المشروع الصهيوني من الاستحواذ على أكثر من 5, 2 في المئة من أرض فلسطين بهذه الوسيلة الشيطانية.
وفي وقت قريب من الذاكرة، لجأ الفلسطينيون إبان الانتفاضة الأولى إلى ما سمي في حينه بـ «الاقتصاد المقاوم» الذي استهدف منع الانهيار السياسي تحت وطأة الضغوط الاقتصادية وانقطاع الموارد المالية.
وبين هذين الزمنين، رفض اللاجئون كل «المشروعات الاقتصادية» التي عرضت عليهم تحت عناوين انسانوية كتحسين ظروف المعيشة والإغاثة وإنهاء الشقاء، حين اشتموا منها رائحة تصفية حق العودة بالتوطين في بلاد اللجوء وما شابه.
يعلم كثيرون أن أحوال الفلسطينيين في مراحل الصمود والتعفف المومأ إليها لم تكن بأفضل مما هي عليه تحت تجربة الحصار الراهن. هناك إذن أوجه خلل ما ونقاط ضعف في إدارة هذه المشكلة أو التعامل معها، لابد من البحث عنها ومعالجتها. بعض هذه الأوجه يتعلق بالتحولات الذهنية والسلوكية للفلسطينيين بعد عملية التسوية..
كالتهاب أشواق الرفاه والميل للدعة عوضاً عن الصبر على الكرب والبلاء، ونضوج هذه الأشواق عند البعض قبل أوانها وهو الاستقلال والتحرر الوطني. وهذا عيب ساهم في صناعته إعلام وعود التسوية والواهمون في تحويل غزة إلي سنغافورة!.
وهناك أوجه أخرى للخلل مصدرها انحراف بنية الاقتصاد الفلسطيني من الاعتمادية الجزئية كرها على الاقتصاد الإسرائيلي نحو الاعتمادية الكلية على الدول المانحة، هذه الدول التي أحكمت قبضتها على أحشاء الفلسطينيين، لاسيما في الضفة وغزة، بحيث لم يعد هؤلاء بوارد الصبر ولا القدرة على العيش بمعزل عن موارد المانحين إذا ما صاروا مانعين مقاطعين!.
ويتصل بسوء التعامل مع الحصار، النظر إليه وكأنه موجه فقط لعض أصابع ناس حماس وحكومتها، فيما الحقيقة أن المتضررين منه هم قوام الشعب الفلسطيني وسلطته. وقد ترتب على هذا الفهم اجتهاد البعض بتوجيه اللوم والاحتجاج إلى العنوان الخطأ، حماس، بدلاً من الاحتلال والمانحين والقوى والآليات (كالرباعية الدولية)، التي سمحت بظلامة الحصار والابتزاز بحق شعب كل جنايته أنه طالب بحقوقه المشروعة ومارس الديمقراطية.
لنفترض جدلاً مسؤولية حكومة حماس عن هذا الحصار، وإنه تمت الإطاحة بهذه الحكومة بوسيلة أو بأخرى عطفاً على المسؤولية.. السؤال هنا ما الضمانة لئلا تتكرر تجربة الحصار مع من يليها في الحكم والإدارة لإجباره على الاستجابة لإملاءات أخرى؟!.
ما الذي سيردع تحالف إسرائيل والمانحين من ممارسة وسيلة تأكدت صدقيتها واقتدارها؟. هذا مع العلم بأن غير حماس ربما كان أكثر قابلية للانحناء والزلزلة والانطواء تحت عباءة هذا التحالف. نطرح هذا الاجتهاد.
وفي الذهن أن البراغماتيين أسرع انصياعا للواقع قياساً بأصحاب الأيديولوجيات الصارمة الذين يستمرئون مقارعة الواقع ويحاولون تغييره بأكثر مما يستكينون له.ألا يشكل مثل هذا التوقع حافزا للبحث عن وسائل فلسطينية موحدة لكسر الحصار غير التلاوم الداخلي ومحاولة إلقاء حماس من المركب الوطني؟!
كاتب وأكاديمي فلسطيني
