هل كانت الولايات المتحدة تدرك أن غزوها للعراق وإزاحة نظامه سيرفعان غطاء قمقم مشحون بالثارات والأحقاد الطائفية والمذهبية إلى هذا الحد؟ ولو كان قادة أميركا يتمتعون بالحصافة، فهل أقدموا على الشيء نفسه؟ أم كانوا استمعوا إلى صوت عقلاء المنطقة وحاولوا بناء جسور علاقات متكافئة تضمن مصالح الجميع؟
ليس ادعاء للحكمة بأثر رجعي، ولكن باب جهنم الذي ينفتح على مصراعيه الآن ويفتك كل يوم بأكثر من مئة ضحية كان أمرا متوقعا. ومن يراجع كتابات الأشهر الأربعة التي سبقت الغزو الأميركي يدرك إلى أي حد صدقت التخمينات والتوقعات التي لم تكن عبثا، ولم تكن مجرد كره لاستعمار أميركي مقبل.. وإنما عن معرفة بتاريخ العراق وكيفية تعايش طوائفه ومذاهبه منذ زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وحتى صدام حسين.
كثيرا ما دعوت العرب أن يتدخلوا وأن يلعبوا دورا تحت مظلة الجامعة ويوقفوا طوفانا قادما خشية الحساسيات والنزعات العدائية المتباينة التي يحسها العراقيون تجاه أقطار مجاورة لهم، وأجدد الدعوة الآن في ضوء محاولة أميركا الهروب من المستنقع الذي صنعته هي، وتفكر في تركنا نحن العرب نغوص فيه حتى آذاننا.
قلبي مع كل مقاوم يحمل سلاحه ويوجه رصاصه ضد الغازي المحتل، وأتطلع مثله إلى اليوم الذي يندحر فيه الغزاة، ولكني لا أستطيع منع عقلي من التفكير في اليوم التالي لخروج المحتل.. كيف ستكون الصورة.. من سيحتفل بخروج الغزاة ومن سيحزن؟ وكيف ستكون ردود الأفعال؟
بعد دخول العراق أزاح الأميركيون نظاما مستقرا.. قل ما شئت عنه.. وفككوا أطر دولة قوية كانت تعرف كيف تمسك بمقاليد الأمور.. ربما يكون مثل هذا الأمر مقبولا لو أن المحتل أوجد بديلا ملائما.. لكنهم ساء ما فعلوا، فقد جلبوا مجموعة سياسيين كانوا على ارتباط بالمخابرات الأميركية والبريطانية قبل الغزو بسنوات.. سياسيين ليسوا من الكفاءة والنزاهة بحيث يصلحون كرجال دولة..
وإنما أشخاص تحركهم نزعات حقد وثأر من نظام سياسي مستبد كان موجودا، ومن جوار لم يمنحهم المأوى والمساندة حين كانوا في صفوف المعارضة عملا بتقليد عربي يدعم الشرعيات القائمة على عوارها مهما بلغ ظلمها واستبدادها.. ويعتبر التدخل لإدارة حوار بين السلطة والمعارضة في أي من الدول العربية نوعا من التعدي على حرمات الآخرين.
وكانت النتيجة ضمور المعارضة السنية لنظام الرئيس الراحل صدام حسين واتساع المعارضة الشيعية التي وجدت من يفتح لها معسكرات التدريب ويوفر لها الدعم المادي والغطاء السياسي.. وحين عاد هؤلاء السياسيون على ظهر الدبابات الأميركية عادت معهم ميليشياتهم وأسلحتهم.. فأصبحت الميليشيات هي وارثة الدولة البائدة، وساعد على ذلك ما اتخذه المحتل الأميركي من خطوات غبية كان أبرزها حل الجيش والشرطة وتفكيك مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى.
تدرك الدولة - الميليشيا الآن ما ينتظرها حال خروج أميركا الوشيك من العراق.. لذلك فإن خطة أمن بغداد المعدة للتطبيق والتكرار في مناطق أخرى تركز على تفتيش المنازل منزلا منزلا بحثا عن السلاح.. هذا أمر مطلوب وجيد لو كانت هناك دولة.. لكن إذا تم نزع سلاح الأفراد الذي يدافعون به عن أنفسهم في مواجهة الاختطاف وعمليات النهب، خلا الجو تماما لأسلحة الميليشيات، وأي عاقل لابد سيتساءل من ينزع سلاح الميليشيا ويجنب العراقيين شرها حتى يسلموا أسلحتهم وهم آمنون إلى سلطة الدولة؟
إن ما جرى في لحظة إعدام صدام حسين، وما اتضح من نزعات ثأر وحقد طائفية، ومن شماتة في الموت ورقص همجي حول جثمان الرجل لهو نذير شؤم يرسم خارطة المستقبل ويهيب بالعرب العقلاء أن يتدخلوا قبل أن تسيل الدماء في بلاد الرافدين أنهارا.