دائماً ما نتهم بأنه لا يوجد لدينا شيء يمكن أن نعطيه للآخرين ولكننا لدينا بالفعل ميزة تنافسية تمكنا من مقارعة الأمم الأخرى، بل وإحراز الفوز بجدارة، وهي تفوقنا اللانهائي في فن القنوط والعبوس، وإذا كان المرح والسعادة له أصوله، فإن الوجه المقابل، هو أن فن العبوس يقوم هو الآخر على أسس وأصول، ونحن نتميز عن الآخرين بامتلاكنا كل المقومات التي تضعنا في موقع تلقين الأمم الأخرى فن التجهم والقنوط.

نحن لدينا في تاريخنا من المصائب والأوجاع التي تجعلنا نقضي الدهور والدهور نلطم الخدود، حتى فرحة أعيادنا تتبدد وتزول بمناظر نحر أعناق الشر، وهي تعانق أعيننا، حيثما جالت على امتداد رقعتنا الجغرافية المترامية بدءا من العراق ومرورا بلبنان ووصولا إلى دارفور، كما لو كان مكتوبا علينا من دون سائر الأمم الأخرى التي ترفل بالسلام والهدوء، أن نبتلى بمناظر الدماء وهي تسيل من بقعة لأخرى.

نحن نعشق النبش في القبور والتلذذ بالعيش في براثن الماضي بشخوصه وحكاياته وأبطاله، وربما نقضي دهورا من الوقت ننعم بالحديث عن الزعامات السابقة، كما لو كان التاريخ والماضي هو الحاضر والمستقبل، بل وننتظر بلهفة بأن يحن علينا الزمان بنعش جديد يغذي تعطشنا للعيش في عباءة الماضي.

حتى ثقافتنا وأعرافنا وتقاليدنا تبجل القنوط والعبوس، وتضعها في مقام الشيم التي يجب على الرجال التحلي بها لكي يظهروا بمظهر الرجال الأشداء، وإذا تصرفوا بخلاف ذلك، يوصموا بالخذلان والضعف والترهل.

وبالطبع، وبحسب الحكمة المأثورة، ينضح الإناء بما فيه، يحرص بعض زعمائنا وقادتنا على الانسجام مع ثقافة المجتمع التي تبجل وتحترم القنوط، فهم قلما يظهرون والبسمة تعلو وجوههم، وإذا ما أقتضى الموقف، فإنهم يخرجون ضحكاتهم بحسب مقياس «ريختر» الزلزالي.

والأمر هنا غير محصور على علية القوم، ولكنه يمتد إلى المستويات الأخرى والدرجات الأدنى، إذ عليهم أن يتمشوا مع الثقافة السائدة التي تصم تعبيرات المرح والسعادة بالخروج عن آداب الاحتشام، لذا تجد صغار الرؤساء في مجالات العمل يتفننون في وضع قناعات الجدية والصرامة على وجوهم، حتى يتجنبوا الوقوع في فخ اتهام المرؤوسين لهم بالضعف والخذلان.

ولقد تمكنت منا هذه الثقافة حتى أصبحت كالطير الذي يحلق دوما فوق رؤوسنا، وصارت تغتال بواكير الفرحة في صدورنا، فعندما تدمع الضحكات أعين المصريين، فإنهم يضربون بأيديهم على صدورهم، ويقولون «اللهم اجعله خير».

نعم، نحن نمتلك فن العبوس والقنوط، ونحن متمرسون في أحكام هذا الفن ومقتضياته، وإذا كان المبدأ الاقتصادي يحث على الاستفادة من المزايا التنافسية في جني المكاسب، فنحن نستطيع بكل قوة واقتدار أن نعلن على الملأ امتلاكنا ناصية فن العبوس، وأننا أحق بأن نعلم ونلقن الآخرين كيف يتجهمون.