هناك أخطاء فادحة جدا ترتكب في معظم الأحيان عند لحظات فورة الانتقام. فعند لحظة الانتقام قد يدفع الثمن أبرياء آخرون كثيرون. ولا أحد على وجه الأرض باستطاعته أن يلغي من النفس البشرية، التي تربت على (غريزة) الانتقام منذ زمن هابيل وقابيل، تلك الخلطة الكيميائية السحرية الغريبة التي تشكل واحدة من أخطر الأحاسيس والمشاعر الداخلية الإنسانية المدمرة والتي تتفجر في أقل من طرفة عين نتيجة لموقف معين أو ربما ظلت أحيانا كامنة لعقود أو قرون طويلة وتكون عواقبها في كل الأحوال وخيمة.
وبجانب الضغينة والحقد والغضب والعزة بالنفس، تظل رغبة الانتقام واحدة من أكثر وأسوأ الرغبات والمشاعر الإنسانية التي يصعب التحكم فيها، وفي كثير من الأحيان تؤدي الرغبة في الانتقام إلى التدمير الكامل الذي يتدرج من مقتل إنسان واحد إلى مقتل ملايين البشر. وكثيرا ما يؤدي القتل إلى قتل مماثل له حتى ولو كان المقتول قد قتل قصاصا وانتقاما، وهكذا تتحول القضية إلى كرة من الثلج التي تظل تكبر وتكبر حتى يسقط تحتها عدد لا بأس به من البشر. ولسوء حظ الإنسان، فإنه الوحيد الذي يحمل مشاعر الانتقام بشكل مفرط ولا يستطيع بعد ذلك وضع حد له.
وقبل أيام شهدنا جميعا على واحدة من أشهر عمليات الانتقام البشرية تلك رغم أنها جاءت نتيجة لحكم بالقصاص ولرجل لا يختلف اثنان على سوء أسلوب حكمه على مدى ثلاثين عاما. وربما كان هو بنفسه أيضا يتصرف برغبة الانتقام من تاريخ طفولته. فدفع غيره ثمن انتقامه ودفع هو ثمن انتقام غيره. غير أن الأمر الأكثر حيرة في المسألة هو الشكل الدرامي الذي اتخذه مجرى القصة برمتها.
لأنه كان ضحية انتقامية واحدة لعدة أطراف منتقمة وجدت الوقت المناسب لتفريغ شحناتها الانتقامية المتراكمة! وعلى رأس هؤلاء هناك من قاد الحرب أساسا ضد (شخص) صدام حسين نفسه، لأنه أهان صورة وكرامة أبيه الرئيس وذلك يوم أصدر صدام حسين أمره - انتقاما لدور الولايات المتحدة الأمريكية في إخراجه من الكويت
والقضاء على جيشه - بوضع صورة الرئيس جورج بوش الأب أمام مدخل أحد الفنادق ليدوس عليها الداخل والخارج. فقرر الابن الرئيس - فيما يقال - أن ينتقم لأبيه تماما كما كان يحدث في تاريخ الجاهلية الأولى حينما كان الانتقام يتم حتى لخاطر ناقة ولو دفع ملايين البشر الثمن بعد ذلك.
وقد أثبتت بعض التحليلات أن احتلال العراق كان أساسا بهدف الانتقام الشخصي أكثر منه أمر آخر، وتم استغلاله أفضل استغلال بعد ذلك لفرض هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة وعلى ما تحتويه من مخزونات نفطية وتحت ذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل التي لم يكن لها أثر، وبعد ذلك تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
أما الطرف الثاني في الانتقام من صدام، فقد كانت إيران التي ظلت رغبتها الجامحة لا تحدها حدود في الانتقام من هذا الرئيس الذي هاجم الجمهورية الإسلامية باسم العروبة وباسم جنون العظمة واحتل أراضيها قبل أن يخرج منها مهزوما، ولكن بعد أن كلف الطرفين ثمنا باهظا من الأنفس والأموال. لذا لم تخف إيران فرحتها ولا ابتهاجها من إعدام هذا الطاغية حسب قولها.
وبالطبع كان هناك طرف ثالث لم يخف ابتهاجه بالانتقام له من صدام، وهو دولة الكويت الشقيقة. فما فعله ذلك الجار العاق بها من خلال احتلالها كاملة وتدميرها عن بكرة أبيها وحرق نفطها وهو كل مؤونتها المدخرة وتشريد أهلها وإعدام من وصلت أسلحته إليهم وأسر من وقع تحت أيديهم
فنقلوا إلى سجونه المظلمة في بلاد الرافدين إلى أن تم التخلص منهم جميعا بطريقة بشعة تقشعر منها الأبدان، ولم يتم بعد ذلك العثور على أثر لهم أو إن كان طالع بعضهم أفضل من غيرهم، فقد وجدت جثثهم المتحللة مدفونة تحت التراب ومقيدة بالسلاسل نفسها!
أما الطرف المنتقم الرابع، فهم الأكراد من أهل شمال العراق. فهؤلاء أيضا تم حرقهم وهم أحياء دون سابق إنذار وبمواد كيماوية يقال أن جمهورية ألمانيا (الديمقراطية) من بين دول (متحضرة) أخرى قد قامت بتزويدها لنظام الرئيس صدام حسين وهم على علم بنيته المبيتة، ومن مزايا تلك المواد أنها تركت الضحايا يتحجرون في الطرقات أو في أوضاعهم التي كانوا عليها في تلك اللحظة: فهناك الأم التي تحتضن طفلتها،
وهناك المزارع الذي يحرث الأرض، وهناك البائع الذي يجر عربته... وهناك الأب الذي يهم بدخول البيت مع أطفاله وهناك الرضيع الذي كان غارقا في نومه في مهده. فقد مثلت لأحفاد هؤلاء عملية شنق صدام أقل ما يمكن فعله به. وهناك طرف خامس في عملية الانتقام: شيعة أهل البصرة. فقد صنع بهم صدام الصنائع ليس إلا لكونهم من مذهب الشيعة الذين عارضوا طريقة حكمه وهو الذي أعدم من قبل زعيمهم الروحي العلامة السيد محمد باقر الصدر...
ثم هناك طرف سادس مشارك في عملية الانتقام: أهل مدينة الدجيل العراقية والذين باسمهم تمت محاكمة صدام حسين ومن ثم الحكم عليه بالإعدام. هؤلاء وغيرهم كثيرون كانت عملية شنق صدام حسين حتى الموت أول أيام عيد الأضحى بمثابة ألف انتقام لأهاليهم وأصحابهم الذين صادق صدام حسين على قرار شنقهم حتى الموت أو رميهم بالرصاص
وهم مقيدو اليدين ومعصوبو العينين في أرض خلاء ليتم دفنهم بعد ذلك بشكل جماعي دون أدنى مراعاة لحرمة الميت. كل هؤلاء رغبوا في أن يتم انتقامهم من صدام قبل صلاة العيد. كل هؤلاء أرادوا أن يفرحوا فرحتين: فرحة العيد وفرحة الانتقام. كل هؤلاء قرروا أن يصبح كل أول يوم عيد أضحى بعد ذلك ذكرى لفرحة انتقامهم لأهاليهم من صدام.
إلا أن هؤلاء جميعا ربما غاب عن أعينهم وقلوبهم في لحظة فورة الابتهاج بالانتقام أن الانتقام لا يولد إلا الانتقام وأن القتل لا يولد إلا القتل وأن الظلم لا يأتي على صاحبه إلا بظلم مماثل له في السرعة والقوة. وربما غاب عنهم أيضا بأن الإسلام الذي يدينون به وبالقصاص الذي فرضه على البشرية، وضع في الوقت ذاته مبادئ سامية ونظما تتعلق حتى بكيفية قتل الحيوان
فكيف بطريقة وكيفية قتل الإنسان التي لا تحتمل الشماتة من المقتول. وإن قرار إعدام صدام شنقا في أول أيام العيد ليس من شيم العرب والمسلمين. بل وما هو أسوأ من ذلك هو أن يهلل البعض شماتة عند لحظة الوقوف أمام رهبة الموت التي يواجهها المحكوم عليه بالإعدام وأمام جثة الميت أيا كانت جرائمه، لأننا بذلك نهبط إلى مستوى القاتل وننسى بأننا سنقف هذا الموقف آجلا أم عاجلا.
لقد اندهش العالم أجمعه من كيفية اختيار هذا اليوم بالذات! ومن كان وراء هذا الاختيار الدقيق وشبه المتعمد... وهكذا أضاف المسلمون إلى صفة الإرهاب التي تلاحقهم صفة عدم الذوق. كلنا وقفنا وتألمنا مع الذين سقطوا ضحايا نظام الرئيس السابق صدام حسين. واليوم كلنا يطرح هذا السؤال: هل شفت طريقة وكيفية واختيار يوم إعدامه غليلهم؟
بعد الانتقام من صدام سيخرج للدنيا من يريد الانتقام لصدام. ولن يشهد العراق بعد اليوم راحة لأحد منهم؛ لا لأصحاب الرئيس السابق ولا لأعدائه، وعندما يبدأ الانتقام يأخذ مجراه يصعب إيقافه. ويبدو أن التاريخ ينتقم هو أيضا على طريقته: فقد حط الحسين بن علي بن أبي طالب رحاله في العراق قادما من المدينة المنورة سنة 61 هجرية (680 م)
أي قبل أكثر من 1300 سنة بهدف القضاء على حكم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان... لكنه قتل هو وأصحابه وعشيرته وأهل بيته في كربلاء، وانتقاما منه فصل رأسه عن جسده.. وكأنه منذ العاشر من محرم ورغبة الانتقام له لا تزال توغر صدر التاريخ على أرض الرافدين، ويدفع الأبرياء الثمن!!.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com