كان شهر ديسمبر المنصرم حافلا في موسكو بالنسبة للشرق الأوسط فقد زارها في أسبوع واحد منه الأطراف الرئيسية للنزاع في لبنان، رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة في الرابع عشر من ديسمبر في توقيت ملفت للنظر، حيث الأمور في قمة الاضطراب والتوتر في بيروت، والمعارضة معتصمة في الشوارع أمام قصر الرئاسة،
ولم تكد طائرة السنيورة تغادر موسكو حتى حطت بعدها بساعات طائرة الرئيس السوري بشار الأسد، وقبل وصول الأسد بيوم واحد كان في موسكو المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية آرون أبراموفيتش ليلتقي بمسؤولين في الخارجية الروسية في لقاءات مغلقة لم يسمح لوسائل الإعلام بحضورها.
كما شهد عام 2006 زيارات متتالية أخرى لموسكو بدأت بدعوة موسكو لوفد حركة حماس في مارس في الوقت الذي أغلقت فيه كل الدول أبوابها في وجهها، ثم زيارة النائب سعد الحريري في أبريل، ومن بعده وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني في يونيو، وآخرها زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت في منتصف أكتوبر،
والذي اختار هذا التوقيت بالتحديد لغرض ما في نفسه وهو يشهد تزايد ملحوظ لدور روسيا ونفوذها على دول مثل إيران وسوريا وأيضا هناك الشائعات حول علاقات غير معروفة بين حزب الله اللبناني وموسكو ألمح لها وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس بعد الحرب في لبنان في الصيف الماضي عندما قال إنه «لا يصدق أن هذا الكم الكبير من الصواريخ والسلاح الروسي حصل عليه حزب الله سرا عن طريق إيران وسوريا،
ويشك بيرتس في وصول هذه الأسلحة لحزب الله مباشرة من روسيا أو عن طريق دولة ثالثة غير معروفة»، والغريب أن موسكو لم تنف ذلك وإن كانت لم تؤكده بالطبع، ولكن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف رد عليه قائلا «إنكم تحصلون على ما تريدونه من السلاح من الغرب وأميركا وبكميات كبيرة ونوعيات حديثة فلماذا تمنحون أنفسكم هذا الحق وتحرمونه على الآخرين».
الحكومة اللبنانية استوعبت جيدا بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في الصيف الماضي أن هناك أوراقا هامة للغاية للعبة في الشرق الأوسط وفي لبنان تحديدا موجودة في موسكو، وربما أراد السنيورة من موسكو أن تضغط على دمشق وعلى المعارضة اللبنانية ليتخليا عن إسقاط حكومته.
ربما لم يعد من المبالغة القول إن روسيا هي الوسيط الوحيد الذي يستطيع دعم التسوية السلمية للأوضاع في لبنان باعتبارها ليست مثل غيرها صاحبة مصلحة لطرف ضد طرف آخر، كما أنها صاحبة تأثير فعال إلى حد كبير على أطراف رئيسية في المنطقة.
وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية تؤكد على أن الرئيس السوري بشار الأسد ذهب إلى موسكو للحصول على أسلحة حديثة، خاصة وأن الرئيس الروسي بوتين التقى بالرئيس السنيورة ونائب الخارجية الإسرائيلية آرون أبراموفيتش في توقيت واحد وإن كانا على انفراد، إلا أن وكالة الأنباء الروسية نوفوستي ذكرت أن الاثنين طلبا من الرئيس بوتين عدم دعم دمشق عسكريا وسياسيا بالشكل الذي يؤثر على الأوضاع في المنطقة ويخل بموازين القوى،
وكتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقول إن الأسد ذهب لموسكو للحصول على أنظمة صواريخ حديثة كانت موسكو قد وعدت واشنطن بألا تبيعها لأي دولة، مثل أنظمة صواريخ (إس ـ 300) المضادة للصواريخ والتي تسعى إيران للحصول عليها من روسيا.
دمشق لم تنكر أن الأسد ذهب لموسكو للحصول على السلاح، بينما الإعلام الرسمي الروسي ذكر بأن الأسد وبوتين ناقشا الوضع في لبنان بشكل خاص وأن بوتين وعد الأسد بأن موسكو لن تسمح لخصوم سوريا بأن يستخدموا المحكمة الدولية لتحقيق أهدافهم، ولكن لا أحد يعلم ما إذا كان بوتين قد طلب من الأسد الضغط على المعارضة اللبنانية للتخلي عن طلبها في إسقاط حكومة السنيورة أم لا،
وهل تملك موسكو فعلا هذا النفوذ على دمشق والمعارضة اللبنانية ؟، يقول رئيس لجنة الشؤون الدولية في البرلمان الروسي قسطنطين كوساتشوف «إن روسيا هي الوحيدة الآن التي تملك إمكانيات كبيرة للتدخل في الأزمة والتقريب بين سوريا ولبنان، وأي طرف آخر لا يملك هذه ولا حتى يريده،
بينما موسكو هي الوحيدة الحريصة على كسب كل الأطراف، ولديها من الإمكانيات وأوراق الضغط ما يسمح لها بلعب دور كبير في هذه الأزمة وفي الأزمات الأخرى الساخنة في الشرق الأوسط، بما فيها الأزمة العراقية وذلك بما لروسيا من علاقات قوية ومصالح مشتركة مع إيران التي تسعي واشنطن للحوار معها حول العراق».