التسوية التي توصلت إليها إدارة شركة (غاز بروم) مع الحكومة البيلاروسية، لا يمكن أن تشكل نهاية الأزمة الروسية-البيلاروسية، التي تعود لأكثر من 3 أعوام مع بداية محادثات الجانبين لتأسيس دولة اتحاد روسيا بيلاروسيا، والتي تضمنت مناقشات حادة حول مصير شركة (بيلترانس غاز) البيلاروسية.

لقد توصل الجانبان مؤخرا إلى اتفاق مفاده أن تقوم شركة (غاز بروم) بتوريد الغاز الروسي إلى بيلاروسيا بسعر 100$ للألف متر مكعب، على تتم زيادة أسعار الغاز تدريجيا حتى عام 2011، لتتقارب مع أسعار الغاز في الأسواق العالمية.

وتم توقيع هذا الاتفاق قبل دقائق من بداية العام الجديد، بعد أن رفضت حكومة بيلاروسيا عرضا روسيا بتوريد الغاز الروسي بسعر 75$ للألف متر مكعب، مقابل تملك شركة (غاز بروم) لنصف أسهم شركة (بيلترانس غاز) البيلاروسية لنقل الغاز، والتي تنقل أكثر من 30% من الغاز الروسي الذي يتم تصديره إلى أوروبا الغربية عبر أراضي بيلاروسيا،

حيث يتم تصدير حوالي ال70% الباقية عبر خط أنابيب «يامال» أوروبا الذي تعود ملكيته إلى شركة (غاز بروم) . منذ أكثر من عام بات واضحا أن العلاقات الروسية البيلاروسية قد دخلت في أزمة حادة، عندما أعلنت حكومة مينسك إصرارها على صيغة علاقات متكافئة ضمن الاتحاد الروسي البيلاروسي المقررة أقامته.

وترافق ذلك مع اعتراضات صريحة من الأقاليم الروسية التي وجدت أن بيلاروسيا ستحصل على امتيازات كبيرة تفوق ما تحصل عليه هذه الأقاليم، بالرغم من أن مساحتها وإمكانية مشاركتها في الدخل الإجمالي للاتحاد المزمع تأسيسه، تقل عن حجم مشاركة هذه الأقاليم.

وتمحور الخلاف حول دستور الاتحاد وتوحيد العملة ومصير شركة (بيلترانس غاز) البيلاروسية لنقل الغاز. وإذا كانت القيادة البيلاروسية يمكن أن توافق على مقترحات موسكو حول توحيد العملة وانجاز الاتحاد النقدي لأسباب سياسية،

بصرف النظر عن أن هذا سيعني فقدانا للسيادة، باعتبار انه سيتيح تصدير الإصلاح الاقتصادي من روسيا، حيث ستخفف روسيا المعاناة عن الرئيس البيلاروسي في حال اعتماد الروبل الروسي كعملة للاتحاد الروسي البيلاروسي. إلا أن ملف الغاز كان يحمل عوامل تفجير الاتفاق بين البلدين، وخلال المفاوضات التي جرت آنذاك قيمت موسكو أصول الشركة البيلاروسية بحوالي مليار وربع المليار دولار،

ورفضت بيلاروسيا هذا التقييم وأصرت على أن أصول الشركة البيلاروسية تصل إلى حوالي 5 مليارات دولار، وبعد سلسلة جلسات من التفاوض وافقت شركة (غاز بروم) على هذا التقييم وتعهدت بسداد 2. 5 مليارات دولار لشراء نصف أسهم الشركة المذكورة من فارق أسعار توريد الغاز الروسي إلى بيلاروسيا وأسعار الغاز العالمية،

وكانت بيلاروسيا تحصل على الغاز الروسي بسعر 46. 7 دولارات لالف متر مكعب. بينما ستحصل عليه وفق الاتفاق المقترح بسعر 75 دولارا فقط لالف متر مكعب في عام 2007 إذا باعت إلى شركة (غاز بروم) 50% من أسهم شركة «بيل ترانس غاز» التي تدير شبكة أنابيب الغاز في بيلاروسيا بما فيها الأنابيب التي تضخ شركة «غاز بروم» عبرها الغاز إلى أوروبا،

وقد رفضت مينسك هذا العرض بالرغم من تحذيرات إدارة (غاز بروم) بأنه إذا لم يتم توقيع الاتفاقية المذكورة، فان موسكو سترفع أسعار بيع الغاز الروسي إلى بيلاروسيا، أو ستتوقف عن إمداد بيلاروسيا بالغاز، إذا رفضت التعامل وفق أسعار السوق العالمي.

ومما لاشك فيه أن الضغوط الروسية على حكومة مينسك تشكل تهديدا مباشرا لنفوذها في الشارع البيلاروسي، الذي ساند الكسندر لوكاشينكو في انتخابات الرئاسة بشكل كبير، بسبب وعوده بتحسين ظروف المعيشة في البلاد، ولم يكن لدى الناخب البيلاروسي قبل هذه الأزمة مبررا لعدم تصديق هذه الوعود، بعد أن تمكن نظام حكم لوكاشينكو من إشاعة استقرار اقتصادي في البلاد،

وتقليص آثار الهزات التي تتعرض لها دول الفراغ السوفييتي السابق. إلا أن زيادة أسعار الغاز بنسبة تصل إلى أكثر من ضعف أسعاره الحالية، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وازدياد معدلات التضخم في بيلاروسيا، وبالتالي إلى انهيار ثقة الناخبين، وضعف نفوذ لوكاشينكو.

وأمام إصرار مينسك على رفض اقتراحات موسكو التي من شأنها أن «تنال من استقلال بيلاروسيا»، وفشل مباحثات القمة بين البلدين في التوصل إلى اتفاقات حول عدد من القضايا، أهمها مسألة إقرار دستور دولة الاتحاد وتوحيد العملة، بدأت بوادر أزمة سياسة-اقتصادية بين البلدين،

خاصة بعد قرار الحكومة الروسية بفرض التعريفة الجمركية على النفط وعدد من السلع الروسية التي تصدر إلى بيلاروسيا، واعتبرت وزارة الخارجية البيلاروسية أن روسيا تنتهك عددا من الاتفاقيات الخاصة بنظام التجارة الحرة بين البلدين بفرض الرسوم الجمركية على الصادرات النفطية إلى بيلاروسيا،

حيث سيؤدى هذا القرار إلى أن تخسر مينسك الأرباح التي تحققها من إعادة بيع منتجات النفط الروسي إلى بلدان أخرى. علما أن روسيا تضخ 90 مليون طن من النفط و44 مليار متر مكعب من الغاز و5. 8 ملايين طن من منتجات النفط إلى أوروبا عبر بيلاروسيا سنويا.

وأكدت مصادر حكومية روسية أن صراعا تجاريا غير معلن قد بدأ بين روسيا وبيلاروسيا، حيث تقوم الجمارك البيلاروسية منذ ربيع هذا العام بتشديد إجراءاتها على كافة البضائع والسلع التي ترسل إلى الأسواق البيلاروسية،

وقد تم مؤخرا اعتقال عشرات الشحنات من المشروبات الكحولية والسجائر، لوجود مخالفات فيها. كما رفعت السلطات البيلاروسية الإيجارات على القواعد العسكرية الروسية، وأجور الشحن الجوي وعبر السكك الحديدية، وبات الوضع في العلاقات بين البلدين ينذر بإمكانية نشوب حرب تجارية بينهما بانهيار المشروع الاتحادي.

ويعتبر المحللون أن هذا التكتيك الذي تلجأ له موسكو مرتبط بتراجع هذه الحكومة عن مواصلة مسيرة التكامل بين بيلاروسيا وروسيا، وهي مسيرة يريدها الرأسمال الروسي أولا لأنه لا يريد الانتظار حتى مجيء رؤوس أموال البلدان الأخرى إلى بيلاروسيا.

وكان من الصعب على بيلاروسيا أن تستخدم سلاح نقل الغاز الروسي عبر أراضيها إلى أوروبا الغربية، ليس فقط بسبب وجود خط أنابيب نقل الغاز (يامال اوروبا) الذي ينقل حوالي 70% من الغاز الروسي المار بالأراضي البيلاروسية إلى أوروبا،

وإنما أيضا لان الحكومة الأوكرانية قد أعلنت أنها ستقوم بضخ كميات إضافية من الغاز إلى أوروبا في حال توقف نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أراضي بيلاروسيا، ناهيك عن وجود مخزون احتياطي من الغاز الروسي في ألمانيا يقدر بحوالي 2 مليار متر مكعب. مما يعني أن بيلاروسيا أصبحت محاصرة ولا بديل لديها سوى قبول العرض الروسي.

ومما لاشك فيه انه من الصعب على حكومة مينسك أن تجد بديلا للعروض الروسية، لان الأسعار المعروضة اقل من أسعار الغاز في الأسواق العالمية، ناهيك عن أن موسكو قد رفعت بالفعل أسعار توريد الغاز الروسي إلى كافة دول الفراغ السوفييتي السابق (أوكرانيا 135$، جورجيا 230$، مولدافيا 170$، أرمينيا 110$)،

إضافة لأنه في ظل الحصار السياسي- الاقتصادي الغربي لا حليف لبيلاروسيا سوى موسكو، إذ لم يقتصر سوء علاقاتها مع الغرب على تصريحات السفيرة الأميركية في بيلاروسيا (كيرين ستوارت) التي أعلنت فيها أن بلادها لا تعترف بنتائج الاستفتاء المزمع تنظيمه على قيام دولة الاتحاد بين روسيا وبيلاروسيا،

وتشكك في نزاهة انتخابات الرئاسة. وإنما تعداها إلى صدور قرار من الاتحاد الأوروبي بفصل بيلاروسيا عن اتفاقية عامة تتضمن تسهيلات جمركية للبلدان النامية. وسوف يكلف قرار الاتحاد الأوروبي الذي سيدخل حيز التنفيذ بعد ستة أشهر، حكومة مينسك 400 مليون يورو سنويا.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا