أعدم صدام حسين رئيس جمهورية العراق السابق وأعدم معه الكثير من المعلومات والأسرار التي تلقي الضوء على ثلاثة عقود من تاريخ العراق الحديث وتاريخ المنطقة برمتها، لأن وثائق ومستندات هذه الفترة إما وقعت بيد المحتل الأميركي بعد الاحتلال أو توزعت هنا وهناك بيد شركائه العراقيين وبعضها كان موثقاً في ذاكرته،
وربما كان من مصلحة الجميع إخفاء الوثائق والمعلومات والصفقات التي عقدت خلال الثلاثين عاماً الماضية، والتي من شأنها أن تحجب حقائق مدهشة تتعلق بالدولة العراقية والدول العربية ودول العالم سيهتم بها الدارسون والمؤرخون لعقود طويلة أخرى، وهناك عدد من الافتراضات التي يمكنها أن تساعد في تفسير جوانب من محاكمات صدام حسين وإعدامه والسرعة غير البريئة في تنفيذ هذا الإعدام، وعلى الصفقات التي ربما تمت فأسرعت بالتنفيذ.
يعرف المحتل الأميركي كما يعرف حكام العراق أن محاكمة صدام حسين ينبغي أن تكون محاكمة كاملة لفترة حكمه بكل ما فيها من صراعات وحروب وقرارات داخلية وخارجية، وهي بكل الحالات ليست محاكمة فرد حتى لو كان رئيساً على أعمال ارتكبها بمعزل عن سياسة نظامه وممارسات هذه السياسة وعلاقتها بالأحداث المهمة التي جرت في تلك المرحلة داخلياً وإقليمياً ودولياً،
وبالتالي من شأن هذه المحاكمة أو من المفروض أن يكون من شأنها تعرية الديكتاتورية والعسف والعنف والقمع، في الوقت الذي تكشف فيه أسباب الحرب العراقية الإيرانية ومجرياتها والاتفاقات التي تمت بشأنها وحولها والمحرضين عليها وكل ما كان سراً يتعلق بها، والأمر نفسه بشأن أسرار غزو الكويت وأسباب انزلاق النظام العراقي فيها
وفضح من شجعه عليها، إضافة لأسرار التمرد في جنوب العراق وشماله بعيد انتهاء حرب الكويت والدور الإيراني والأميركي فيه واستطراداً مناقشة أسباب فشل الحكم الذاتي ومدى كفايته ونواقصه إن وجدت، ومواقف الحزبين الكرديين الرئيسيين منه.
وعندها تصبح المحاكمة محاكمة العصر لأنها تسلط الضوء على تطور العراق وما حدث فيه خلال عقود ثلاثة أي تصبح محاكمة نظام ومواقف وتيارات وأحزاب سياسية تكون صالحة كي تأخذ منها الشعوب العربية وحكامها العبر، وتعرف الأدوار الخارجية التي لعبت في شؤون منطقتنا ومازالت تلعب، وجميع ذوي الشأن يعرفون أهمية ذلك.
لم يحصل هذا لا كلياً ولا جزئياً خلال محاكمات صدام حسين، وأغفلت المحاكمات جميع الأحداث الرئيسية والمهمة ذات العلاقة ببنية النظام العراقي السابق وسياساته وممارساته، وركزت على قضيتين ثانويتين هما قضية (الدجيل) وقضية (الأنفال)، والدجيل هي في الواقع محاكمة متمردين حاولوا اغتيال رئيس الدولة
ومن الطبيعي أن يحاكموا ويعاقبوا من قبل النظام القائم الذي حملوا السلاح ضده، والأنفال هي تجميع قرى صغيرة جداً ومتناثرة اقتضتها ـ حسب رأي النظام ـ طبيعة الحرب مع إيران، وسواء كان رأي النظام صحيحاً أم خاطئاً فإن القضيتين ثانويتان قياساً لقضايا مهمة أخرى مارسها النظام وخاصة منها الحرب العراقية الإيرانية واستعمال السلاح الكيماوي في (حلبجة) الذي يتهم النظام الإيراني بارتكابه
وغزو الكويت الذي أدى لتدمير البلدين وتسبب بسقوط النظام العربي، ومن الملاحظ أن المحاكمات اهتمت (بالصغيرات) وتركت (الكبيرات) بل أنها لم تكمل المحاكمة حول الصغيرات نفسها فأعدم الرجل قبل انتهاء محاكمة (الأنفال) ولاشك أن الأمر ليس صدفة ولا قصر نظر ولا نوع من الاستهتار أو الخفة أو الجهل وإنما هو أمر مقصود وبفعل فاعل.
لم يعد سراً أن الإدارة الأميركية حرّضت النظام العراقي عام 1980 على شن حرب ضد إيران، لأنها تيقنت حينها عدم استطاعتها القضاء على النظام الإيراني الجديد الصاعد، وأدركت مخاطر نجاح هذا النظام ضد مصالحها في المنطقة،
وتواءم ذلك مع تهديده لمصالح البلدان العربية المجاورة ومنها العراق ودعوته لتصدير الثورة إليها وفرض الهيمنة على دول الجوار وكانت فرصة أميركية لضرب جيشي العراق وإيران وتدميرهما، في الوقت الذي رأى النظام العراقي المخاطر الكامنة وراء نجاح النظام الإيراني الجديد وخاصة تصدير الثورة والنزوع للهيمنة على دول الخليج ودول الجوار العربية،
وهكذا كانت الولايات المتحدة في الواقع طرفاً في الصراع، وأية محاكمة تجري لصدام حسين حول الحرب مع إيران ستكشف هذا الدور الأميركي الذي كان يتجاوز التأييد السياسي والدعم المعنوي، وهو ما لا ترغب الإدارة الأميركية الحالية في كشفه، ولابد إذن من تغييب صدام حسين قبل الوصول لمحاكمته في قضية الحرب الإيرانية ـ العراقية وكشف أسبابها التي أوقعت مسؤوليتها على صدام حسين وحده.
ولم يعد سراً أيضاً أن انتهاء الحرب الإيرانية العراقية إلى ما انتهت إليه جعل من العراق قوة إقليمية كبرى يحسب حسابها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، خاصة وأن النظام العراقي لم يتخل قيد أنملة عن إيديولوجيته القومية ومطامحه الكبرى وعدائه لإسرائيل فقرر غزو الكويت ولم تنصحه الولايات المتحدة بالتراجع عن فكرة الغزو،
ويرى بعض المحللين أنها شجعته على ذلك بدليل تأكيد السفيرة الأميركية لصدام قبيل الغزو بأن لا شأن للولايات المتحدة باحتلال الكويت ونصبت له فخاً سرعان ما علق فيه، فدمر الكويت والعراق والنظام العربي معاً،
وتخشى الإدارة الأميركية هنا أيضاً أن أية محاكمة لصدام بقضية غزو الكويت ستكشف المستور وتظهر التواطؤ الأميركي وربما التحريض الأميركي عليه، ولأن ذلك كذلك ينبغي قتل صدام ودفنه مع أسرار علاقة الولايات المتحدة بغزو الكويت وهذا ما حصل فعلاً.
من جهة أخرى لو تمت محاكمة صدام على ما جرى في (حلبجة) فإن ذلك قد يظهر الأسباب التي أدت إليه، وسواء كان القصف الكيماوي عراقياً أم إيرانياً، فإن دور بعض الأحزاب الكردية في التعاون مع إيران والتواطؤ معها وخيانة العراق كان سيظهر وستدان هذه الأحزاب بخياناتها قبل أن يدان النظام بارتكاباته،
ولذلك لم يتم البدء بمحاكمة صدام بقضية (حلبجة) وهي القضية الكبرى وإنما بُدئ بقضية (الأنفال) وهي قضية صغيرة وثانوية قياساً بما جرى في (حلبجة). والأكثر غرابة هو أن الإدارة الأميركية والحكومة العراقية اكتفتا بمحاكمة صدام حول قضية (الدجيل) وحدها
وحكمت عليه بالإعدام وأعدمته قبل أن تنتهي محاكمته في قضية (الأنفال) أو تبدأ محاكمته بالقضايا الكبيرة وبالتالي فقد اكتفت المحاكمات من (الجمل بإذنه) ولعل ذلك يؤكد أن الجميع من أميركيين وشركائهم العراقيين العرب والأكراد يريدون الهروب من المحاكمات لأنها تدينهم جميعاً أكثر مما تدين صدام.
تعرف الحكومة العراقية وأحزابها كما تعرف الإدارة الأميركية أن المحاكمة كانت مهزلة سواء بإجراءاتها أم بسير مراحلها أم بالاستعجال باستصدار حكم الإعدام وقرار محكمة التمييز ثم السرعة بتنفيذ حكم الإعدام، ولكن هذه الفضائح ربما كانت بنظرهم جميعاً أقل من الفضائح المحتملة لو حوكم صدام حسين بما يجب أن يحاكم عليه.
كاتب سوري