كان يجلس دائماً على منضدة منخفضة ووجهه للحائط، وكان خادمه يعد له عشرات الأقلام حتى إذا ما نفد قلم وجد قلما آخر يسد به رمق كتابه، ولشدة ولعه بالكتابة كان ينسى طعامه وشرابه، حتى أن خادمه لم يكن ليجرؤ على تذكيره بذلك... ولد بعد حقبة نور الدين زنكي الذي حارب الصليبيين في بلاد الشام - خلال القرن الثاني عشر الميلادي ـ ومهد الطريق لصلاح الدين لفتح بيت المقدس،
وكان نور الدين بجانب حنكته السياسية ودهائه العسكري مولعاً بالعلم والثقافة، فشرع في تأسيس «البيمارستانات» وهي أماكن للتعليم والعلاج كالمعاهد والمستشفيات وكليات تعليم الطب اليوم، إلى جانب ذلك فإنه أسس مكتبة كبيرة في دمشق حوت بين أروقتها عشرات الآلاف من الكتب التي بفضلها استطاعت دمشق أن تحمل شعلة الحضارة بعد بغداد والأندلس...
في هذه الأجواء المفعمة بالعلم وطلبه نشأ ابن النفيس، العالم الطبيب الذي كان أوّل من اكتشف الدورة الدموية الصغرى لدى الإنسان قبل اكتشاف العالمين «ميكويل سرفينو» «وريالدو كولومبو» لها بثلاثمئة عام، واستطاع ابن النفيس أن يشرح كتاب ابن سينا الشهير «القانون في الطب» ويزيل عنه بعض الشوائب عن طريق التشريح الدقيق لجسم الإنسان الذي فنّد به كل ظن وتقدير.
وكانت ثروته التي تركها للبشرية عبارة عن مئات الكتب من أشهرها كتاب «الشامل في الطب» الذي وضعه في ثلاثمئة مجلد إلى جانب كتاب «المهذّب في الكحل المجرب» والذي يتربع في أرفف مكتبة الفاتيكان ضمن الكتب القيّمة المحفوظة فيه.
أما في القرن الحادي والعشرين وبالتحديد قبل ثلاث سنوات فقد شرعت جامعة «كارنيجي ميلون» الأميركية في مشروع طموح يهدف إلى نسخ مليون كتاب بصورة إلكترونية ووضعها على الإنترنت «مجاناً» بحلول عام 2007 عن طريق تقنية «المسح الضوئي»
ليستفيد منها الباحثون والأساتذة وجميع من يرغب، واشتركت في هذا المشروع عدة جهات أهمها الحكومة الهندية والحكومة الصينية مع مجموعة من المراكز البحثية في هذين البلدين بالإضافة إلى جامعة الإسكندرية وبعض الشركاء الآخرين.
وفوراً بدأ العمل على اختيار المليون كتاب والتعاقد مع مراكز المسح الضوئي للشروع في تحويل المعلومة من بطون الكتب إلى بطون الكمبيوترات، حيث تم التعاقد مع اثنين وعشرين مركزاً من المراكز متوسطة الحجم وأربعة مراكز ضخمة في الهند،
وثمانية عشر مركزاً في الصين وبعض مراكز المسح الضوئي الواقعة في المناطق الحرة في أميركا لتكون بعيدة عن تعقيدات الجمارك ورسمياتها، بالإضافة إلى جامعة الإسكندرية ومركزٍ في هاواي. ولم تكتفِ جامعة كارنيجي بالمسح الضوئي للكتب، بل ذهبت إلى تخصيص ميزانية لتطوير أجهزة وتقنيات جديدة للتحويل الإلكتروني للصفحات،
فاستطاع الباحثون في كلية العلوم والكمبيوتر بالجامعة أن يخترعوا نظاماً جديداً للتعرف على الأحرف الصينية والهندية والعربية أياً كان الخط الذي كتبت به ومن ثم تحول الصورة التي أخذها الماسح الضوئي إلى حروف إلكترونية ليتيح للباحثين البحث في متون الكتب وليس عناوينها فقط،
واستطاعت بعض مراكز الأبحاث الأخرى أن تخترع نظاماً للتلخيص الأوتوماتيكي للنصوص المختارة وترجمة هذه النصوص إلى أي لغة من اللغات المتوفرة في النظام. ولقد ساهمت العديد من الجهات في دعم هذا المشروع الحضاري منها المنظمة الوطنية للعلوم في أمريكا بمبلغ 63 ,3 ملايين دولار خصصت للمصاريف الإدارية والسفر وغيرها،
ومبلغ 46, 8 ملايين دولار خصصته وزارة التعليم في الصين للأرشفة الإلكترونية، أما الحكومة الهندية فلقد قدمت نصيب الأسد في هذا المشروع حيث بلغت مساهمتها السنوية 25 مليون دولار خصص جزء منها لدعم الكتب غير الإنجليزية،
ولقد ساهمت مكتبة الإسكندرية بتكلفة مسح 75 ألف كتاب عربي إلى جانب تمويلها لبعض الأبحاث التي أنتجت تقنيات إلكترونية جديدة تمكن الباحثين من وضع تعليقاتهم وملاحظاتهم على صفحات معينة بحيث يتمكن الآخرون من قراءتها خلال تصفحهم للكتب على الإنترنت.
عندما سئل القائمون على المشروع عن السبب وراء هذا العمل الطموح قالوا بأن البحث عن معلومة أصبح سهلاً جداً عن طريق الإنترنت وخصوصاً مع تقدم تقنيات البحث في بعض المواقع مثل «غوغل» مما أدى بالباحثين إلى الاعتماد عليها بشكل رئيسي في أبحاثهم ودراساتهم،
وعندما أجرت جامعة كارنيجي دراسة عن جودة هذه المعلومات تبين لها أن 6% فقط من المعلومات المتوفرة تصلح للاستخدام الأكاديمي أو العلمي، لذلك كان لابد من تضييق الفجوة بين حاجة الباحثين أو لنقل تعودهم على سرعة الحصول على معلومة وبين جودة هذه المعلومة، فأتى هذا المشروع الذي يطمح القائمون عليه أن يستمر حتى يتم تحويل أكبر عدد ممكن من الكتب للاستخدام عبر الإنترنت.
أما في كاليفورنيا، فقد أدركت المكتبة العامة للولاية بأنها إذا أرادت لأبوابها أن تكون مفتوحة دائماً فإن عليها أن تشارك في زرع حب الكتاب والقراءة في نفوس الأطفال، فأطلقت برنامجاً اجتماعياً لقراءة القصص وبعض الكتب الهادفة في أفرع المكتبة المنتشرة في معظم مدن الولاية، وقامت بتوفير المواصلات للأسر من منازلهم إلى المكتبة في أيام معينة خلال الأسبوع،
وبعد أن تجتمع الأسر يقوم أحد خبراء المكتبة بقراءة قصة أو كتاب ما على مسامع الجميع ومن ثم يفتح باب النقاش بين الكبار والصغار ويعطى كل شخص فرصته للتعبير عن ملاحظاته، وبذلك يتعلم الكبار أسلوب السرد القصصي المشوّق ويتعلم الصغار أهمية القراءة والاطلاع والأهم من ذلك يتعلمون الثقة بالنفس، ويتعلم الجميع حب الكتاب ودوره في حياتهم.
وبعد خمس عشرة سنة من إطلاق هذا المشروع الذي استنسخ في العديد من الولايات الأخرى، قال 76% من أولياء الأمور بأنهم يستطيعون أن يتحاوروا مع أبنائهم بشكل أفضل، وأن ثقة أبنائهم بأنفسهم ازدادت بشكل مطرد بسبب السماح لهم في جلسات القراءة بالتعبير عن آرائهم وإن اختلفت مع آراء ذويهم،
أما ما لم يعلمه أولياء الأمور هو أن أبناءهم اكتسبوا مهارات تحليلية في سن مبكرة جداً ستمكنهم في المستقبل من التميز عن نظرائهم سواء في المراحل الدراسية أو بعد أن يدخلوا معترك الحياة، ولقد لاحظ مجموعة من الباحثين بأن أسئلة الأطفال تزداد دقة وعمقاً
كلما ازداد حضورهم لهذه الجلسات الأسرية الثقافية، واليوم نقلت معظم الأسر هذه التجربة إلى منازلها وأسست مكتبات خاصة لأطفالها وأصبح الآباء والأمهات يحرصون على الاجتماع يومياً ـ ولو لنصف ساعة ـ مع أبنائهم لقراءة قصة أو كتاب ما مع جميع أفراد الأسرة.
عندما كنت أدرس في أميركا كان معي طالب ياباني في نفس الفصل، وكنت دائماً ما أراه منكباً على قراءة القاموس الإنجليزي ـ الياباني، وعندما سألته عن السبب قال لي: «أريد أن أحفظ القاموس». قد لا نستطيع أن ننسخ مليون كتاب عربي، ولكننا بالتأكيد نستطيع أن نقرأ قصة لأبنائنا قبل النوم، حتى يخرج منهم ابن النفيس مرة أخرى.
باحث إماراتي
yasser_hareb"gmail.com