أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ان موعد الاستفتاء على تعديل الدستور تحدد ليكون في شهر فبراير القادم، وهذه الخطوة تعني انه أكد عزمه إجراء هذا التعديل الذي يسمح له بان يتولى رئاسة الجزائر مرة ثالثة بعدما كان الدستور الحالي يحددها بفترتين رئاسيتين فقط امضى الرئيس بوتفليقة مدة منهما وقاربت المدة الثانية على الانتهاء.
وبغض النظر عن نوايا الرئيس الجزائري في إجراء التعديلات، فهي تطرح سؤالا على المهتم بالشأن الجزائري وهو هل تعني هذه التعديلات ان الأزمة الجزائرية قد قاربت على نهايتها وان الاستقرار السياسي والأمني قد أصبحا سائدين بعد ما يقرب من 16 سنة من الفوضى.
أم أنها يمكن ان تفتح الباب امام عودة جديدة للازمة بالنظر إلى ان التعديلات المقترحة قد تخل بالتوازن السياسي القائم والذي كان سببا في تراجع حدة العنف وفى تأسيس وضع سياسي يتجاوز الوضع الذي أنتج الأزمة السياسية الجزائرية.
والحاصل انه لايمكننا إنكار ان حدة العنف قد هدأت في الجزائر. وان هذا الأمر قد حدث في ولاية بوتفليقة الأولى والفترة التي أمضاها من ولايته الثانية، وان ذلك لا يعود فقط إلى سياسة الرئيس الأمنية ولكن لأسباب أخرى سياسية واقتصادية، والمزج بين هذه المحاور الثلاث للتعاطي مع الأزمة هو الذي أدى إلى تجاوز واقع عام 1991 الذي بدأت فيه.
وهناك من المراقبين من يرى ان التعاطي السياسي مع الأزمة الجزائرية تم على عدد من المحاور الفرعية في مقدمتها رفع الغطاء السياسي عن الجماعات التي تمارس العنف وذلك بما تم من إفراج عن بعض قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وعودة البعض الآخر من المنافي التي كانوا يقيمون فيها.
ومنها تعديل المعادلة السياسة السابقة التي كانت تقوم على ان المؤسسة العسكرية هي المحور الأساسي لكل العملية السياسية، ولكن الرئيس اجرى العديد من التعديلات واصدر قوانين متعددة أدت فى النهاية إلى تركيز السلطة في يد مؤسسة الرئاسة ولم يكن يستطيع اجراء ذلك من دون التأييد الجماهيري الواسع لقوانين الوئام الوطني التي أصدرها على مرحلتين كان آخرها في العام الماضي 2006.
ومنها أيضا إعادة الاعتبار إلى جبهة التحرير الوطني ليصبح هو الحزب الرئيسي في الخريطة السياسية الجزائرية بعدما حاول الرئيس السابق اليمين زروال إخراجه كليا من المعادلة لصالح الحزب الذى أسسه لكي يلعب هو الدور المحوري وهو حزب التجمع الديمقراطى الوطني،
وتضمنت عملية اعادة الاعتبار إلى جبهة التحرير ان تمت السيطرة على الجبهة وتأميمها لصالح الرئيس وذلك بان تولى قيادتها عبد العزيز بلخادم رئيس الوزراء الحالي الذي يعد من اقرب المقربين لبوتفليقة ورجله الأول من بين النخبة السياسية في الجزائر.
وبالتالي نستطيع القول ان الرئيس استطاع من خلال هذه المحاور الأساسية والفرعية ان يؤسس قاعدة سياسية لعملية التعديل الدستوري المرتقبة وهذه القاعدة تقوم على اتجاهين اساسيين من الاتجاهات الثلاثة التي تتصارع داخل الجزائر.
فقد اجمع الدارسون للنظام السياسي الجزائري على انه يتضمن صراعا بين ثلاثة اتجاهات هي الاتجاه الوطني وهو ممثل حاليا فى جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي الوطني، والاتجاه الإسلامي وهو ممثل فى الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحزب حركة مجتمع السلم «حماس» وهى ممثلة حاليا فى الحكومة، و حزب حركة النهضة الذي انقسم، وجناح من أجنحته ممثل هو الآخر في الحكومة.
وهذان الاتجاهان الوطني والاسلامي، بعد الإفراج عن قادة الإنقاذ وعودتهم من المنافي ومشاركة بعضهم في الدعوة لبرنامج بوتفليقة، أصبحا هما القاعدة السياسية للتعديل الدستوري. حيث يعتقد الرئيس أن الأغلبية البرلمانية تؤيده بالنظر إلى أنها تتمثل فى الأحزاب المشاركة في الحكومة فضلا عن ذلك فان الشارع يؤيده أيضا انطلاقا من موافقة قادة الإنقاذ على التعديلات ودعوتهم في بعض المحافل السياسية.
اما الاتجاه الثالث فهو العلماني الاستئصالي الذي يشكل البربر الامازيغ القطاع الأكبر منه إضافة إلى بعض الأحزاب العلمانية، فمازال مهمشاً في العملية السياسية ويقاطع كافة الاستحقاقات السياسية منذ انتخابات البرلمان السابقة.
وهذا الوضع يعني ان التوازن الذي يقوم عليه برنامج الرئيس وفي قلبه عملية تعديل الدستور مازال هشا، خاصة وانه من الممكن ان يحدث تحالف بين قيادات داخل الجيش غير راضية عن تهميشها في العملية السياسية وبين الامازيغ وأحزابهم الرئيسية مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية،
لمناهضة برنامج الرئيس الأمر الذي ينتج عنه عودة التوتر مرة أخرى ولكن هذه المرة سيكون التوتر في مناطق البربر ويمكن ان يعزز الاتجاهات الانفصالية هناك خاصة ان كافة محاولات الرئيس لحوار مع «لعروش» وهم القيادات القبائلية للبربر باءت بالفشل.
والخوف الأساسي على عملية تعديل الدستور تأتي من إمكانية ألا يحقق الرئيس بعض متطلبات قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ لان ذلك يمكن ان يعيد انتاج الأزمة الجزائرية وسوف تكون هناك قوى متعددة غير راضية عن التعديل ويمكنها ان تناهضه حيث ستنضم قيادات الإنقاذ إلى الرافضين داخل النظام إلى البربر بما يؤدي إلى خلط جديد للاوراق فى الازمة الجزائرية.
والذي يؤكد ما نذهب اليه ان قيادات الانقاذ لن يتوقع منها ان تقوم بما تفعله حاليا من دون مقابل سياسي واقل مقابل هو السماح لها بالعمل السياسي سواء بتأسيس حزب ام من داخل الأحزاب القائمة. وهذا الأمر قد يعيد الجزائر إلى المربع رقم واحد من أزمتها لان السماح لها بالعمل السياسي سيعنى تكرار تجربة حصولها على نسبة أصوات في أية استحقاقات انتخابية قادمة قد تعيدها مرة أخرى كرقم صعب في المعادلة السياسية.
ولعل سلوك علي بلحاج في الشهور الأخيرة يؤكد هذا الطرح حيث بدأ مناهضة النظام والعمل ضده. فهل اتفق الرئيس مع قيادات الإنقاذ على صيغة للتعامل مع هذا الوضع؟ أم انه ترك الأمر للمفاجآت التي قد تكون سارة، وقد تكون غير ذلك تماما.
كاتب مصري