كأي من أيام السنة مر الخط الفاصل بين عام 2006 والعام الجديد، بدون أن يحدث في المنطقة العربية ما يؤشر على أن عام 2007 سيكون أفضل من سابقه. وحتى لو أننا أردنا التساوق مع من ذهب إلى اعتبار إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين صباح عيد الأضحى المبارك، كالحدث الأبرز خلال العام السابق، فإن من غير المتوقع أن يؤدي ذلك الحدث الملتبس إلى وضع علامة فارقة بين جديد العراق وقديمه.
فلقد انطوت صفحة نظام البعث في العراق منذ تعرضه للغزو قبل نحو أربع سنوات، كما لم يعد ثمة فرق جوهري بين غياب صدام حسين في السجن أو تحت الأرض، ففي الحالتين ما كان بالإمكان أن يشكل مخرجاً لأزمة العراق التي بات الخروج منها أشبه بالمستحيل.
الاحتلال باق في العراق، مهما تغيرت الإستراتيجيات وبغض النظر عن أشكال وجوده، والأيادي التي تعبث في البلاد من محيطه، والمحيطات الأبعد، لا تزال تملك القدرة والإرادة على مواصلة العبث، فيما تغيب قدرة النظام العربي الرسمي عن القيام بأي دور فاعل في إنقاذ البوابة الشرقية التي فتحت على غاربها.
وفي لبنان التي لم تنجح التوسطات التي قامت بها الجامعة العربية، في وضع حد لأزمة استطالت واعتصام شعبي مضى في شهره الثاني، بدون أن يظهر في الأفق القريب، ما يشير إلى إمكانية التوصل إلى تسويات تعيد للبلد عافيته ووحدته، وبعد أن أصبح ساحة للتدخلات الخارجية القريبة والبعيدة، ولتصفية الحسابات الصغيرة والكبيرة.
ورغم أن الصومال ملقى على أطراف الوطن العربي، ما يجعله ربما أقل تأثيراً في الأحداث التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة صياغة المنطقة، إلا أن ما جرى ويجري هناك، وبعيداً عن اليد العربية وربما عن إبداء العرب اهتماماً واضحاً به، هذا الجرح في الخاصرة،
يظل مفتوحاً على نزيف، يفيض عن قدرة الحكومة الانتقالية على وقفه، خصوصاً في ظل التدخلات الخارجية وفي ضوء الطبيعة الاجتماعية القبائلية التي تميز البلاد، والانقسامات العميقة التي يعاني منها، وتشكل مصدراً لعدم الاستقرار ولغياب الأمن فيه والوحدة.
جرح عميق نازف آخر في السودان، يعرض البلاد إلى شتى أشكال وأنواع الخطر المحدق بوحدته وأيضاً بسبب تركيبته السكانية، وضعف نظامه السياسي، والأهم بسبب التدخلات الخارجية والإقليمية والدولية. وبالرغم من أن السودان من عظام رقبة النظام العربي جغرافياً وسياسياً وتاريخياً، إلا أن العرب هم الأقل تأثيراً في مجريات الأحداث، رغم أنهم الأكثر تأثراً بنتائج ومآلات الأحداث.
كم جرح عميق يمكن للجسد العربي أن يحتمل، ومن أين تأتي الطعنة المقبلة، وأي بلد عربي مرشح لتلقي المزيد من الطعنات، فوق كل ما تزخر به المنطقة من تناقضات، وما تعانيه من خرابات مختلفة، وما تتعرض له من هجمات إرهابية، ومحاولات لإذكاء كل أسباب وأنواع الفتن؟.
هل أن ما يعيشه الوطن العربي، يعكس الترجمة الفعلية لإستراتيجية إعادة صياغة الشرق الأوسط، التي تفترض تفكيكه بغية إعادة تركيبه من جديد بما يخدم سياسات ومصالح الغرب، ويحول أهله إلى مجرد خدم تحت أقدام الصناعة الأميركية، ومن أجل رفع معدلات الرفاهية للشعب الأميركي، والشعوب الأوروبية؟.
ويمضي الخط البياني صعوداً نحو الهاوية، حيث قلب الأمة العربية ومركز الصراع فيها، والقضية التي تستمر في كونها مصدر الأزمات، وذريعة التدخلات، وعلى أساسها تنبني النظريات والإستراتيجيات، ومنها يستمر نزيف الدم منذ عشرات السنوات، ونقصد قضية الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، هنا لا جديد يذكر على ما عاشته الساحة الفلسطينية خلال العام الماضي، ففي غياب الحوار،
واستمرار الانقسام، والتحريض والتحشيد، فإن الفتنة لا تزال تطل برأسها بين الحين والآخر، لا تنفع لتهدئتها التوسطات المحلية، ولا حرمة أيام عيد الأضحى، وطالما لم يتحقق التوافق الوطني إزاء الاعتراف بوجود الأزمة، وتشخيصها بشكل صحيح، وإزاء كيفية الخروج منها.
وعدا عن الانقسام الداخلي ذات الطابع السياسي والبرنامجي، وازدواجية السلطة، في ظل توازن القوى بين حركتي فتح وحماس، واستمرار مفاعيل ظاهرة الاستقطاب السياسي الحاد، وفي ظل بنية اجتماعية أقرب إلى العشائرية، فإن التدخلات الخارجية سواء من قبل إسرائيل،
أو من قبل أطراف إقليمية وعربية، هذه التدخلات تواصل دورها السلبي في إذكاء عوامل الصراع الداخلي، فضلاً عن استمرار الصراع مع المحتل.آخر ما جاء من هذه التدخلات الخطرة، ما جاء في التسجيل الصوتي للرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، والذي جرى بثه في أول أيام العيد.
في شريطه الجديد خاطب الظواهري من سماهم بالمجاهدين في فلسطين قائلاً: «إن من باع فلسطين من العلمانية ليسوا إخوانكم فلا تعترفوا لهم بالشرعية ولا تجالسوهم ولا توقعوا معهم الوثائق التي تجعلكم تفقدون فلسطين». وحتى لا يذهب الحديث إلى العمومية يضيف الظواهري: «كيف يكون محمود عباس ودحلان إخوانكم، وقد نمت لحومهما من رشاوى اليهود ومنح الأميركان»؟.
الظواهري يطالب المجاهدين في فلسطين إقامة الحد ليس على من يعتبرهم عملاء إسرائيل وأميركا، وإنما أيضاً وفي الأساس على العلمانيين الذي يصفهم بالكفرة وكأن الفلسطينيين لا تكفيهم أسباب الخلاف السياسي والصراع على السلطة، كمحفز لاندلاع الاقتتال فيما بينهم، فيطالبهم بأن يتخذ صراعهم طابعاً دينياً،
حتى يضمن استمرار هذا الصراع حتى تدمير آخر حجر في فلسطين، وحتى قتل الأجنة في بطون الأمهات الفلسطينيات، لا يريد الظواهري أن ينتظر حتى تتحرر فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، ثم ينتقل «لتحريرها» من العلمانيين والكفرة، أنه يقلب المعادلة بما يؤدي إلى أن يتخلص الفلسطينيون من بعضهم البعض كأولوية.
وإذا كان الفلسطينيون أبعد من أن يتأثروا بمثل هذه التدخلات والتحريضات فإن القيادات الفلسطينية التي ترفض بمختلف انتماءاتها مثل هذه التدخلات، لا تزال غير قادرة على إغلاق البوابات والنوافذ، التي يمكن أن تشكل مدخلاً لأشكال أخرى من التدخلات والرياح المسمومة.
وقت طويل مضى على خطاب الرئيس محمود عباس في السادس عشر من ديسمبر الماضي، وأعلن فيه قراره وخياره بالذهاب إلى انتخابات مبكرة في حال لم ينجح الحوار بالتوصل إلى اتفاق بشأن إقامة حكومة وحدة وطنية كان قد توقف الحوار بشأنها قبل الخطاب بنحو أسبوعين آخرين.
ويبدو أن علينا تذكير القيادات الفلسطينية المعنية بأن المزيد من الوقت يعني المزيد من الضعف والمزيد من الآلام التي يجرها الحصار، ويعني المزيد من نزف الدم في الاشتباكات الداخلية، والمزيد من تراكم الأحقاد والعداءات، وتعمق حالة الانقسام والتدهور الشامل.
ماذا تنتظر القيادات الفلسطينية؟ ولماذا وعلى من يمارسون دلالهم وبأي ثمن؟. الإسرائيليون يتحركون بقوة، فبعد لقائه بالملك عبد الله ملك الأردن، وبالرئيس محمود عباس، تحرك رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود أولمرت إلى القاهرة، وفي جعبته ما يقول،
وأيضاً في جعبة وزيرة خارجيته تسفي ليفني ما تقول غير ما يقوله رئيسها. ما تقوله ليفني يلتقي إلى حد كبير مع ما تحمله وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في زيارتها الأسبوع المقبل إلى المنطقة ويدور حول إقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، فماذا لدى الفلسطينيين؟.
وإذا كان العالم لا ينتظر اتفاق الفلسطينيين بين بعضهم البعض، فكيف للرئيس عباس، أو حتى لرئيس الحكومة، أن يذهب للتعاطي مع مبادرات دولية وإقليمية تخص مصير الفلسطينيين وهو مكشوف الظهر، يعاني من انقسامات حادة؟
لقد ذهب الرئيس عباس للقاء أولمرت في الثالث والعشرين من ديسمبر الماضي، فكانت النتيجة أن إسرائيل لم تنفذ الوعود التي قطعتها على نفسها من خلال اللقاء رغم أن تلك النتائج جاءت متواصلة إلى حد كبير.والواقع أن معاودة الحوار التي تنتظر لقاء بين عباس وهنية في عمان بدعوة من الملك عبد الله،
وحتى لو انعقدت قمة عربية مصغرة لهذا الغرض، جرى الإعلان عنها كخبر تناقلته وسائل الإعلام، فإن لا هذا اللقاء ولا ذاك يمكن أن يؤدي إلى شيء طالما لم تتمتع القيادتين الفتحاوية والحمساوية بالإرادة الكافية، والاستعداد الكافي لتحقيق النجاح،
وهو ما لم يظهر بعد في سلوك الطرفين. ويظل التساؤل الجارح، لماذا ينجح الفلسطينيون في العثور على لغة التصالح والمساومة مع الآخرين فيما يفشلون في ذلك بين بعضهم البعض؟.
كاتب فلسطيني