يحاول البعض التشكيك في العلاقات المتميزة بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والمسلمين الروس، لإثارة الفتنة والخلاف بينهما، كان آخر ما سمعناه من تحذيرات من جهات مشبوهة تقول إن روسيا في عام 2050 سوف تصبح دولة إسلامية، ويحيل ذلك إلى الزيادة المضطردة في أعداد المسلمين الروس بسبب كثرة الإنجاب في الوقت الذي يعاني فيه المسيحيون من نقص حاد في الإنجاب يشكل أزمة ديموغرافية في روسيا.
كلنا نعرف معاناة الديانات كلها في العهد الشيوعي الذي لم يفرق بين مسيحي ومسلم وبوذي ويهودي، ولم يمض على انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 بضعة شهور حتى تحولت روسيا كلها إلى بازار مفتوح لكل أديان الأرض، السماوية منها والأرضية، كل طوائف وكنائس ومعابد العالم توجهت إلى روسيا تبحث لها عن معتنقين جدد لتعاليمها، أكثر من ألفي كنيسة من الشرق والغرب جاءت تروج لمعتقداتها، المعابد البوذية والهندوسية وغيرها أرسلت مبشريها يوزعون نشراتهم وصحائفهم المطبوعة باللغة الروسية في شوارع المدن الروسية، طوائف يهودية متعددة جاءت تتنافس على جذب اليهود الروس لها، وكذلك بعض الطوائف والمذاهب الإسلامية جاءت بمبشريها تشترى أراضي وتؤسس مساجد ومدارس ومعاهد للمسلمين .
برزت الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كديانة رئيسية للدولة باعتبارها الديانة الرسمية التي كانت سائدة في روسيا القيصرية قبل الثورة عام 1917.وعلى الرغم من أن الإسلام دخل روسيا في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي إلا أن روسيا القيصرية اعتنقت المسيحية الأرثوذكسية في أواخر القرن العاشر، وبالتحديد عام 988 م، والسبب في ذلك يرجع ربما إلى عدم توغل الإسلام داخل روسيا.
حيث أتى من الجنوب وانتشر في القسم الأسيوي من روسيا وبالتحديد في منطقة الفولجا، ولكن هذا لم يمنع من تواجد أعداد كبيرة من المسلمين الروس في موسكو وفي الجزء الأوروبي من روسيا، وبهذا أصبح الإسلام الديانة الثانية في روسيا بدون أية خلافات أو نزاعات نظرا لتفاهمه الكبير مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي كانت وما زالت على عداء كبير مع الكنيسة الكاثوليكية الغربية، ويقدر الكثيرون عدد المسلمين في روسيا الآن بنحو 22 مليون مسلم، وإن كان هذا التقدير قديما ويصعب التحديد الآن حيث لا يتم قيد الديانة في السجلات الحكومية، وربما يكون العدد أكبر بكثير الآن نظرا لزيادة الإنجاب في العائلات المسلمة.
ويتوقع أن يصل عدد المسلمين في روسيا عام 2030 لأكثر من خمسين مليون ليقتربوا من نصف عدد سكان روسيا مع التناقص الحاد للمسيحيين، ويستدل على ذلك بالعدد الهائل للمساجد في روسيا، حيث كان يوجد قبل الثورة البلشفية عام 1917 في روسيا نحو 12 ألف مسجد، ولم يبق منها في العهد السوفييتي الشيوعي سوى 343 مسجدا، والآن مع الصحوة الدينية الكبيرة يوجد في روسيا نحو سبعة ألاف مسجد، منها ستة مساجد كبيرة في العاصمة موسكو التي يقدر عدد المسلمين فيها بنحو 6,1 مليون من أصل عدد سكانها الثمانية ملايين .
يقدر عدد اليهود في روسيا الآن بنحو مليون وثلاثمئة ألف، اليهود وأيضا المسيحيين الكاثوليك الذين لا يزيد عددهم على بضع عشرات من الآلاف يتهمون الحكومة الروسية وأيضا يتهمون الكنيسة الأرثوذكسية الرسمية في روسيا بالانحياز للمسلمين، على الرغم من أن اليهود والكاثوليك يتمتعون بكافة الحقوق التي يتمتع بها الأرثوذكس والمسلمون، ويبدو أن الحملة الأميركية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجوم على الإسلام والمسلمين جعل النظام الروسي يهتم أكثر بالمسلمين الروس خشية استغلال بعض الجهات لهم لإثارة القلاقل والاضطرابات داخل روسيا، وخاصة الشيشان الذين أعطت بريطانيا والولايات المتحدة حق اللجوء السياسي لقادتهم الانفصاليين، ولهذا سعى الكرملين إلى التقرب من المسلمين الروس وأيضا التقرب من دول العالم الإسلامي للتأكيد على تناقض سياسة روسيا مع السياسة الأميركية تجاه الإسلام.
وقد أصر الرئيس بوتين على المشاركة كضيف في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في ماليزيا في أكتوبر عام 2003، وطالب بحق روسيا في الانضمام لعضوية المنظمة باعتبار أن عدد المسلمين فيها أكبر من عددهم في الكثير من الدول الإسلامية وكذلك عدد المساجد والمؤسسات الدينية الإسلامية، وقال بوتين:«من حق أكثر من عشرين مليون مسلم روسي أن يشعروا بانتمائهم للعالم الإسلامي الكبير ومسلمو روسيا ليسوا مهاجرين بل هم من سكان روسيا الأصليين وليس لديهم وطن آخر ينتمون إليه»، وتكللت جهود الرئيس بوتين بإنجاز كبير غير مسبوق في تاريخ منظمة المؤتمر الإسلامي حيث تقرر في مؤتمر وزراء خارجية الدول أعضاء المنظمة المنعقد في اليمن في يوليو عام 2005 قبول روسيا كعضو مراقب في المنظمة، وهو استثناء غير موجود في ميثاق المنظمة منح لروسيا دون غيرها، وقال بوتين مهنئا المسلمين في روسيا بهذا الإنجاز :«سنتصدى بكل جهودنا لأية محاولات لتشويه صورة الإسلام وجوهره أو لاستخدامه لأغراض عدوانية».
الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أيضا لها موقف إيجابي متميز من الإسلام والمسلمين ينعكس بوضوح في تصريحات البطريرك ألكسي الثاني بطريرك عموم روسيا الذي قال«المسلمون الروس حلفاء أوفياء للكنيسة الأرثوذكسية الروسية على مر تاريخهم، ونحن حريصون على توطيد علاقاتنا بالمجتمع الإسلامي، ونرفض التطرف والإرهاب الذي يتستر تحت عباءة الدين الإسلامي والإسلام منه بريء، هذا التطرف من صناعة أعداء الإسلام»، وأدان البطريرك بشدة تصريحات بابا الفاتيكان ضد الإسلام منددا بمواقف الكنيسة الكاثوليكية قائلا إنها خاضعة للأهواء والتوجهات السياسية السائدة ومتهما إياها بتأجيج العداء بين الأديان.
وقد افتتح في مدينة بيلوجورد الروسية في 31 من أكتوبر المنصرم النصب التذكاري للمحاربين المسلمين الروس الذين استشهدوا في الحرب العالمية الثانية، كما تم تأسيس جامعة إسلامية كبيرة في موسكو تحت إشراف وزارة التعليم الروسية وبدعم كامل من الحكومة الروسية، واحتفلت مدينة نيجنوفجراد القريبة من موسكو مؤخراً بمرور مئة عام على انعقاد أول مؤتمر لمسلمي روسيا الذي انعقد في المدينة في 15 أغسطس عام 1905، وأقيم في مدينة قازان في سبتمبر أول مهرجان دولي سينمائي إسلامي عرض فيه أكثر من 70 فيلما من العديد من الدول الإسلامية.
وقد أشرفت الحكومة الروسية بنفسها على سفر الحجاج الروس المسلمين لأداء فريضة الحج هذا العام والذين بلغ عددهم نحو 18 ألف حاج نصفهم من النساء، ووفرت الدولة لهم كل الإمكانيات من الطائرات وأماكن الإقامة وتوديع واستقبال خاص في المطارات.
جامعة سيبيريا