الصومال هذا البلد الإفريقي العربي يعود إلى الواجهة مرة أخرى في ظل سياسة التغيرات العالمية الجديدة التي ترسمها الإدارة الاميركية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فهذا البلد الفقير الذي يعتبر من افقر دول العالم لا يجد حتى ما يسد به رمق شعبه ويعيش على المساعدات الإنسانية والإعانات الدولية، وجد نفسه فجأة في حرب غير متكافئة مع اثيوبيا التي تدعم عسكريا من الولايات المتحدة.
فالبرغم من ان الصومال يعتبر جزءا لا يتجزأ من الوطن العربي الإسلامي فإن الجامعة العربية لم تول أي اهتمام لملف الصومال الذي انهكته الحروب والمجاعات مثلها مثل العديد من القضايا التي شغلت الامة وتركت على رفوف الجامعة العربية، تنتظر تفعليها.
إن ما يجري اليوم في الصومال هي حرب اقليمية بالوكالة لصالح اطراف غربية خصوصا وان واشنطن أعربت عن دعمها الصريح والواضح لدخول القوات الاثيوبية إلى الصومال. فالصومال كان وما زال مسرحا للصراعات الاقليمية والدولية على ارض تعطش شعبها إلى نسيم السلام والاطمئنان والهروب من الجوع والفقر.
لاشك أن الصومال بأوضاعه الحالية يجسد ما بات يسمى بمصطلح «الدولة الفاشلة»، وقد عجزت بالفعل المؤسسات السياسية الانتقالية في الصومال منذ إنشائها عن إعادة الأمن والاستقرار للبلاد. حيث أصبح المواطنون فيه ضحايا للجماعات المتصارعة وللجريمة، وهذا يبدو أن الشعب العربي في الصومال كتب عليه ـ كما كتب على شعوب فقيرة أخرى ـ أن يدفع ثمن وجوده على أرض تشكل أهمية «جيوسياسية» للقوى العظمى في العالم. فموقع الصومال ضمن القرن الأفريقي ذو الأهمية البالغة لشركات النفط العالمية؛ بسبب قربه من منابع بترول الخليج العربي ووقوعه على مدخل البحر الأحمر شريان تجارة النفط والسلاح جعله محل اطماع دولية.
الشعب الصومالي، الذي لم يكد ينتهي من تضميد جراحه حتى تفتح من جديد، المجتمع الدولي لم يحرك أحداً منهم ساكناً سوى بعض الصيحات الخجولة من هنا وهناك، جامعة الدول العربية فشلت في عقد اجتماع على مستوى المندوبين للمطالبة بوقف حمام الدم المتدفق في الصومال، مجلس الأمن الدولي فشل مرتين في اتخاذ قرار لوقف المعارك الطاحنة في الصومال، منظمة المؤتمر الإسلامي لم تحرك ساكناً ولم تعلن موقفها من الأحداث الدامية في الصومال.
على أية حال التدخل الاثيوبي في الصومال غزو بكل ما للكلمة من معنى مهما حاولوا تبريره، خصوصاً أن الصراع الداخلي في بلاد ابتليت بالحروب وأمرائها يمكن علاجه بالسعي الى التوفيق بين الاطراف المتصارعة من خلال الحوار والمفاوضات، وليس بالتدخل العسكري وقصف الطيران والزحف على المدن الصومالية وقتل الابرياء.
ومن المعروف ان الأسباب الحقيقية لتطور الأحداث نحو الأسوأ هي دوافع خفية لواشنطن التي ساهمت في تأجيج أوار الحرب واعترف الرئيس الأميركي الاسبق جيمي كارتر حينما أكد أن واشنطن ساعدت على انهيار الصومال تمهيداً لارسال قواتها أو من يعمل بإمرتها الى هذا البلد المنكوب.
فواشنطن تدعم التدخل الأثيوبي بحجة أن الصومال أصبح ملاذاً لمن تصفهم بالارهابيين المطلوبين دولياً وارتباط المحاكم الاسلامية بالقاعدة واستضافة ارهابيين أجانب يشتبه بتورطهم في الاعتداءات التي استهدفت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا 1998.
والحقيقة أن ذلك الرهان والوضع في الصومال عموماً يذكران المرء بأوضاع ورهانات سابقة شبيهة سبق للإدارة الأميركية نفسها وأطراف محلية في دول أخرى أن تبنتها وأدت إلى كوارث حقيقية لا تزال تلك البلدان تعاني منها حتى اليوم. وبصورة أكثر تحديداً فهذا هو الحال في أفغانستان والعراق منذ احتلال القوات الأميركية لهما، الأولى قبل أكثر من خمس سنوات والثانية قبل أقل من أربع سنوات.
ففي الحالتين كانت هناك أطراف محلية - حكومية أو معارضة - هي التي طالبت بالتدخل العسكري الأجنبي الذي قادته الولايات المتحدة، مثلما طلبت ذلك الحكومة الصومالية الانتقالية من إثيوبيا. وفي الحالتين أيضاً كان هذا الطلب الداخلي المحلي والاستجابة الخارجية الأميركية قائمين على أسباب تتعلق بزعم وجود تهديدات إرهابية كبيرة في البلدين، وهو الأمر نفسه الذي تكرره اليوم كل من الحكومة الصومالية الانتقالية وحليفتها الإثيوبية ومن ورائهما الإدارة الأميركية بالقول إن الصومال قد بات مرتعاً لعناصر تنظيم القاعدة الذين اندسوا حسب تلك الرواية في صفوف أعضاء وقيادات اتحاد المحاكم الإسلامية. وبموجب ذلك يتعين الآن على العرب أن يوحدوا صفوفهم لمواجهة المخطط الأميركي الجديد لاحتلال بلد عربي آخر وهو الصومال، والعمل على تحريك الصف بالقيام بمبادرة مشتركة كفيلة بإجهاض كل محاولات استمرار احتلال الصومال باسم مكافحة الإرهاب.
benhadnal@yahoo.fr