لا أكتم عن القارئ أنه كان بودي أن يكون عنوان هذا الموضوع متفائلاً ينسجم مع الخطوات الأولى للعام الجديد الذي أرجو أن يكون عام خير وسعد للجميع، إلا أنني بعد دراسة متأنية لحصاد عام 2006، الذي جمع أمتعته وتسلل إلى الماضي، لم أجد نوافذ كثيرة يطل منها النور على الساحة المظلمة في العراق.

فقد توزعت أحداث ذلك العام الدامي بين حدثين كبيرين: الأول في فبراير حين ارتكبت أيد أثيمة جريمة النيل من ضريح العسكريين في سامراء ليعقبها تصاعد في وتيرة الحقد الطائفي الذي يسعره ويديره من له مصلحة في تدمير العراق وزج شعبه المتآخي قومياً ومذهبياً على مدى قرون طويلة في أتون حرب يخسر فيها الجميع، والحدث الكبير الأخير فيها هو إعدام الرئيس العراقي السابق وسط أجواء حافلة بالتشنجات على المستويات كلها، المحلية والإقليمية والدولية، بين مرحب ومعارض وبين متفائل ومتشائم وبين من يرى بأن ذلك يساعد على لم الشتات الوطني ومن يراه اتجاها نحو المزيد من التباعد والانقسام، بين من يرى في ذلك خروجاً من العزلة العربية ومن يراه خطوة نحو المزيد من العزلة. كان عام 2006 أسوأ عام مر على العراق، فقد تجاوز عدد ضحايا العنف فيه، من المدنيين فقط، أثني عشر ألف قتيل، وهو رقم مخيف.

محطات دموية غير عادية في تأريخ العراق يتميز بها عن سواه من البلدان العربية، فمعظم حكامه لم يموتوا ميتة طبيعية، فقد قتل الملك غازي عام 1939 بحادث سير مدبر، وقتل الملك فيصل الثاني صبيحة الرابع عشر من يوليو عام 1958 في الساعات الأولى للثورة، وسقط الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة في التاسع من فبراير صريعاً برصاص انقلابيي عام 1963، وقتل عبد السلام عارف في عام 1966 عندما أسقطت المروحية التي كان يستقلها، ولم يمت أحمد حسن البكر ميتة طبيعية، وها هو صدام حسين يضيف اسمه إلى القائمة كأول رئيس عراقي يفارق الحياة على حبل المشنقة.

لا يختلف اثنان في أن العراق من الدول المهمة إقليمياً وعربياً، وإن الفترة التي حكم فيها الرئيس العراقي السابق جديرة بالدراسة المستفيضة. فعلى مدى خمس وثلاثين عاماً كان صدام حسين صانع القرار السياسي في العراق رغم أنه في السنوات الاحدى عشرة الأولى من هذه الفترة لم يكن رئيساً للعراق. لقد وظف صدام حسين الدولة العراقية وجميع قدراتها لبناء صرح خاص به، دولة يمتلكها هو، فترك بذلك بصماته الخاصة على هذه المرحلة من تأريخ العراق، وهي مرحلة حافلة بالأسرار الخطيرة.

فقد شهدت هذه الفترة الزمنية الطويلة تداعيات هزيمة الخامس من يونيو عام 1967 وشهدت صعود حزب البعث كقوة أساسية في الساحة السياسية العراقية وشهدت صعود شخص صدام حسين كقوة طاغية تطلب صعودها تصفيات في حزب البعث نفسه على غرار التصفيات التي قام بها ذوو القمصان السوداء عشية صعود هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا النازية.

وشهدت كذلك تصفيات الأحزاب التي تحالفت مع البعث في أوائل عقد السبعينات من القرن المنصرم، وشهدت أيضاً ما هو أخطر من ذلك وهو الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لمدة ثماني سنوات، والتداعيات التي أعقبتها في استخدام الأسلحة الكيمياوية في حلبجة ثم في القضية المطروحة للمحاكمة في الوقت الحاضر وهي حملة الأنفال التي طالت حسب ما ورد في سجلات الدعوى حياة عشرات الآلاف من الأكراد، ثم كارثة غزو الكويت والحصار المدمر الذي فرض على العراق، وأخيراً احتلال العراق.

وغني عن البيان إن دولة كالعراق ما كان لها أن تكون صاحبة القرار في جميع هذه الشؤون التي لم تقتصر تداعياتها على الشعب العراقي بل تجاوزته إلى الواقع الإقليمي والدولي، دون أن يكون لقوى مهمة، إقليمية ودولية، دور مهم في ذلك. لقد دفع صدام حسين أغلى ما لديه، وهو حياته وحياة ولديه، ثمناً لأخطائه وسياساته إلا أن ذلك لا شي أمام ما دفعه الشعب العراقي من أثمان على مدى عقود طويلة من خلال خوض حروب عبثية في الداخل والخارج لم يكن للعراق صالح في خوضها، دمرت البلد وكانت السبب في مقتل مئات الآلاف من أبنائه لينتهي بعدها إلى بلد محتل مدمر منزوع السيادة.

لقد انتهت أسطورة صدام حسين منذ سنوات طويلة، وبالتحديد حين طُردت القوات العراقية بعد تكبدها خسائر جسيمة من الكويت عام 1991، ولم تعد حياته بعد احتلال العراق وسقوطه في الأسر مهمة قدر أهمية الأسرار الخطيرة التي يحملها والتي قد تميط اللثام عن قضايا خطيرة هي موضع شك في الوقت الحاضر.

لا مفر أمام من يكتب صفحات التأريخ من اعتماد الموضوعية واللجوء إلى المنهج العلمي في جمع الحقائق وتوثيقها، فليس من الإنصاف للتأريخ أن تطغى أمور ثانوية الأهمية على ما هو مهم فعلاً، وتضيع في غمرة الأحداث التفاصيل التي تخص تأريخ هذه الحقبة. لقد خسر العراق عشرات السنين المهمة من عمره وخسر أعداداً غفيرة من أبنائه وأهدرت ثرواته في سياسات جرت عليه الويل والبلاء فمن الإنصاف أن يستفيد العراقيون وشعوب هذه المنطقة من دروس هذه المرحلة التي تأثر الكثيرون بها وذلك عن طريق التعرف على كل ما صاحبتها من أسرار يراد لها أن تدفن مع من يمتلكها.

فإذا كانت المحكمة الجنائية التي تشكلت بقرار من الحاكم المدني الأميركي بول بريمر لمحاكمة الرئيس العراقي السابق قد خضعت لمعايير القضاء الأميركي، فَلِمَ لم تستكمل هذه المعايير التي تتطلب بقاء المحكوم بالإعدام فترة طويلة قد تبلغ عدة سنوات ينتظر التنفيذ في زنزانته. لقد كان من الأجدى، في رأي الكثيرين، أن لا يعدم صدام حسين بهذه السرعة لاسيما وأن هنالك قضايا كثيرة في الانتظار أمام القضاء وهو على رأس المتهمين فيها. فليس في إعدامه ما يساعد على استتباب الأمن المفقود في العراق.

خاصة بعد أن تسربت إلى وسائل الإعلام لقطات عن عملية التنفيذ أحرجت الحكومة العراقية، وليس في إعدامه السريع إنصافاً للباحثين عن الحقيقة الذين هم أمام واجب تأريخي خطير لا يقتصر على محاسبة الماضي ومحاكمته إنصافاً للحاضر وإنما يتجاوز ذلك إلى اغناء المستقبل بالدروس المفيدة من هذه الحقبة المهمة من تأريخ العراق وتأريخ المنطقة.

لا شك أن الولايات المتحدة كانت وراء هذا الإجراء السريع، رغم حرصها على التظاهر بغير ذلك من خلال ما اقترحه السفير زلماي خليل زاد لتأجيل التنفيذ مدة أسبوعين. لقد أثار هذا الإسراع في التنفيذ شكوكاً كثيرة حول أهداف ذلك، داخل العراق وخارجه، فرغم أن صدام حسين كان حليفاً للاتحاد السوفيتي السابق في جبهات معينة، فقد كان حليفاً للولايات المتحدة كذلك في جبهات أخرى. فقد اتهم القيادي الكردي محمود عثمان الولايات المتحدة ودولاً أخرى لم يذكرها بالاسم، زودت الرئيس العراقي السابق صدام حسين بالأسلحة الكيماوية ب«التعجيل في إعدامه لطمس الحقائق والتغطية على المتورطين الدوليين معه».

وفي مقال نشرته صحيفة «الإندبندت» البريطانية في اليوم الذي تلا إعدام صدام حسين تحت عنوان «ذهب بأسراره إلى القبر: تواطؤنا مات بموته»، كتب روبرت فيسك «لقد أخرسناه، فبمجرد أن أنزل الجلادون الملثمون كمين المشنقة صباح أمس، كانت أسرار واشنطن في مأمن». ويلمح الكاتب في مقالته إلى المساعدات التي قدمتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية من خدمات لنظام صدام حسين أعانته على تصفية حركات سياسية في الداخل ولمح إلى خدمات الأقمار الاصطناعية الاستخبارية التي قدمت إلى العراق خلال حربه مع إيران، وكذلك إلى الأسلحة الكيماوية التي استخدمها الجيش العراقي في الحرب مع إيران. وقد ختم فيسك مقاله بالقول: «تنفس العديد في واشنطن ولندن الصعداء ارتياحاً بعد أن أُخرس الرجل الشيخ إلى الأبد».

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae