حدث في 14/12/2006 أن تزامن مشهدان مفعمان بالدلالات والإيحاءات في غمرة الصراع الدامي على أرض فلسطين. فبينما كان الفلسطينيون منشغلين بتبادل الاتهامات واللوم بألسنة حداد وأسلحة مشهرة، حول مسؤولية تجاوز الفلتان الأمني إلى نذر الحرب الأهلية، كانت المحكمة الإسرائيلية العليا قد انتهت إلى شرعنة قتلهم غيلة بشروطٍ مُيَسَرة بأيدي الجيش الإسرائيلي.

من شأن هذين المشهدين أن يثيرا لدى العاطفين على قضية التحرر الفلسطيني،مزيجاً مربكاً من الخواطر والتأملات، تختلط فيه الدهشة بالأسى والحسرة بالغضب إلى حد الغثيان. أما عند غالبية الإسرائيليين ومحازبيهم فإن الأصداء لن تعاني من هكذا مشاعر محزنة، كونها لن تتعدى الغبطة والشماتة الساخرة.. كيف لا وقد بات حال الفلسطينيين عبثياً إلى سوريالي، حتى انهم، قادتهم بالذات، فقدوا الرشد والحكمة إلى حد التلويح بقتل بعضهم البعض، فيما إسرائيل تتوعدهم جميعاً بالمصير ذاته؟!.

على أنه مهما كان حظ الفلسطينيين من الفطنة أو الغباء بشأن كيفية إدارة خلافاتهم السياسية والإيديولوجية، ومهما تفرقت بهم السبل لأسباب ذاتية أو موضوعية ساقتهم إليها أقدارهم العاثرة، فإن أمرهم هذا لا يقدم تبريراً لمنطق المحكمة الإسرائيلية البائس حقوقياً ولا يحجب عنه صفة انتهاك أصول العدالة وتجاوز الأعراف والقوانين الدولية السارية.

نحن هنا إزاء وضعين مختلفين: فشل الفلسطينيين في معالجة عملياتهم السياسية الداخلية والوصول إلى توافق على الأهداف الوطنية ووسائل تحقيقها من ناحية، وغلو إسرائيل في اغتصاب حقوق الإنسان الفلسطيني وإهدارها بلا وازع وفي طليعتها حق الحياة من ناحية أخرى مختلفة.

وهكذا قد يلام الفلسطينيون على فشلهم وتنازعهم وتفرق ذات بينهم، لكن هذا لا ينفي أن إسرائيل تبقى في موضع الجلاد ولا يمنع مساءلتها عن الالتزام بالشرائع المنظمة للعلاقات الدولية في زمني السلم والحرب وحالة الاحتلال. بل ويصح الاعتقاد في هذا الإطار بأن ممارسات الجلاد الإسرائيلي مسؤولة عن اختلال أوضاع الضحية الفلسطيني بما في ذلك الداخلي منها إلى أبعد الحدود.

لا يتسع المقام للاستطراد إلى حيثيات هذا الاعتقاد التي يمكن مطالعتها في أدبيات الصراع الصهيوني الإسرائيلي/ الفلسطيني للمئة عام الماضية، لكنه يكفي للإشارة إلى تأثير الغزوة الصهيونية الاستعمارية وتقاليدها الدموية العنيفة على أحوال الفلسطينيين، لجهة إكسابهم كثير من صفات العنف والاستنفار الدائم والاعتداد بلغة القوة وعدم الثقة في الآخر والأخذ بنظريات المؤامرة والكيد السياسي والخوف مما وراء الأكمة..

هذا علاوة على أن الغزاة الصهاينة، الأوائل منهم والمعاصرون،شجعوا الفلسطينيين على المضي في تعاملات بينية غير مواتية لإدارة عملية سياسية تعددية حداثية، تقوم في كل المناسبات والأوقات على دولة القانون والنظام والقضاء المستقل..

يصعب في كل حال تصور أن السيطرة الصهيونية الإسرائيلية الممتدة على الحقيقة الفلسطينية بكل أبعادها والتغلغل في تضاعيفها، لم تترك آثاراً ضارة جداً بصيرورة الإجماع السياسي الفلسطيني. التجارب التاريخية تقول بأن المغلوب قد يخضع مكرها لسياسيات الغالب وألاعيبه الجهنمية في السيطرة والتحكم، بل وربما اقتدى عن قصد وغير قصد ببعض سلوكياته وأساليب معاشهِ أو أصيب بالعدوى في هذا الإطار. كما أن الصراعات عموماً تخلف ندوباً وأمراضاً ظاهرة وباطنة في الوجدان والعقول الجمعية للمنخرطين فيها.

نحسب أن الفلسطينيين، نخبا وقادة وجمهوراً عاماً، قد لا يكونون بدعاً من هذه النواميس. لنا أن نلاحظ مثلاً، كيف تزايدت معدلات الإصابة بداء الفساد المالي والإداري والأخلاقي في بعض الأوساط والمؤسسات الفلسطينية، بفعل احتكاكها المباشر وجوارها القريب ومعاملاتها مع المؤسسات الإسرائيلية. ومن المعلوم أن هذه الأخيرة مثابة للفساد والإفساد.

لا يعيب الفلسطينيين أن يعترفوا بأنهم لا يحظون بأخلاق ملائكية تحصنهم من الوقوع في أحابيل محاكاة غزاتهم الصهاينة الإسرائيليين أو الافتتان بهم، أو تقيهم تماماً شرور الابتزازات التي احترف الإسرائيليون ممارستها ضدهم، بما في ذلك إكراه البعض على العمالة أو بث عوامل الفتنة بين مواطنيهم .. لكن هذه الحقيقة المشتركة بين كل البشر، تستلزم التذكير بأن النموذج الصهيوني الإسرائيلي الاستعماري لا يحتوي على أبعاد إنسانية حضارية بالمعنى الشامل، تستدعي الاحتذاء والمحاكاة..

فالجوانب التقنية الصناعية وغير الصناعية من هذا النموذج، التي تتفوق بها إسرائيل على العرب وتغالبهم بواسطتها، متوفرة في غيرها ومتاحة لمن أرادها بمثابرة وإلحاح.أما الجوانب الثقافية وتوابعها السلوكية فهي من الانحطاط بحيث لا يهفو إليها إلا الضعفاء، ذوو الأوعية الثقافية التاريخية الفارغة.. وليس هذا وضع الفلسطينيين (ولا العرب).

ولا يقدح في هذا الفهم ما يقال عن ديمقراطية النظام السياسي الإسرائيلي وليبراليته، ومن ثم جدارته بالمحاكاة، فهناك ما يؤكد بطلان هذا الزعم. ومن ذلك أن الديمقراطية الإسرائيلية هي «لليهود فقط»، وهذا يرميها بالعنصرية البغيضة،وأن الإسرائيليين المدعين بها يمارسون ما يجافي منطقها وشعائرها في غضون احتلالهم البشع واستباحتهم للأراضي الفلسطينية وشعبها. وأهم من ذلك في مقامنا أنهم يوثقون هذه الاستباحة ويبررونها بأسباب تذهب بعقل الحليم.

لاشيء يشي بتهافت ديمقراطية الإسرائيليين،بعد الاحتلال وفاشيته، مثل فعلةٍ قضائيةٍ كالتي فعلتها المحكمة العليا في حيفا. لقد أطاح قانونها وحيثياته حول قتل الفلسطينيين بآمال الواهمين في مقامها العدلي الرفيع.

أولئك الذين طالما أحبطتهم حين لاذوا بها من قبل لمواجهة الاستيطان وهدم المنازل والاعتقال التعسفي وتهويد القدس والجدار العنصري...، وها هي تؤكد لهم بشكل قاطع انحيازها للإجماع الصهيوني ومنظوره الخاص للعدالة وحقوق الإنسان، نافية بذلك السبق الحضاري القانوني والديمقراطي للإسرائيليين على الفلسطينيين.

والحال أن في المشهد الفلسطيني ما يستدعي الغضب ويقتضي الاستدراك. فموقف المحكمة الإسرائيلية من المقاومين الفلسطينيين ينذرهم وقومهم بسوء ما ينتظرهم دون استثناء. وفي ذلك عظة يفترض تخجلهم من التربص ببعضهم البعض حتى لا يتقاتلون فيما بينهم فيقتلون بأيديهم وأيدي الجيش الإسرائيلي وفرق المستعربين!.

أما المشهد الإسرائيلي ففيه ما يوجب الإدانة والسخرية حقا وصدقا..ذلك على الأقل لان ثمة شعوباً كثيرة غير الفلسطينيين تقع في براثن الخلاف الداخلي المؤلم والدامي أحيانا، لكن لا شبيه لاعوجاج ميزان العدل الإسرائيلي في هذا العالم الفسيح!

كاتب وأكاديمي فلسطيني