21يسمبر يمثل حسب الروزنامة الرسمية أول أيام الشتاء.. وربما لم يأبه أحد لمثل هذه المناسبة الجغرافية ـ المناخية سوى تلاميذ المدارس الذين مازال يتعين عليهم أن يحفظوا هذه الحقيقة الطقسية ولكن بعد أن كفت عن أن تكون واقعا فعليا.. حيث لم يعد الشتاء بردا قارساً ولا أصبح الناس يشعرون حقا بقدوم فصل الربيع ولا الخريف، ومازال السبب كما يعرف الكافة هو آفة التساخن ـ الاحتباس الحراري التي أصابت كوكب الأرض وتغيرت معها مناخات الكوكب وبالتالي اختلت مواعيد المواسم واضطربت مواقيت الفصول.

رغم هذا كله فقد جاء الخميس 21 من ديسمبر الماضي ليشهد احتفالا مهما في مبنى الأمانة العامة للأمم المتحدة القائم على ضفاف نهر الإيست في ضاحية مانهاتن بقلب نيويورك.

كانت المناسبة فقرات احتفالية لوداع السيد «كوفي عنان» الأمين العام الذي أصبح سابقا وتنصيب السيد «بان كي مون» الذي تولى مقاليد قيادة المنظمة الدولية العتيدة وهي تشارف مع عام 2007 الوليد على العام الثاني والستين من عمرها.

هكذا أخلت أفريقيا مكانها لصالح قارة آسيا بعد أن جمع السيد عنان ابن قبائل الأشانتي في غانا بغرب أفريقيا، أوراقه من مكتبه ليدخل إليه السيد مون حاملا لقب الأمين العام رقم 8 اعتبارا من أول يناير ولمدة 5 سنوات مقبلة إن شاء الله.

وربما تنفس الصعداء بعض الصحافيين وبعض محللي الشؤون الدولية إذ كانوا يختلفون على كتابة اسم الأمين العام السابق ما بين لفظة «أنان» كما ترجمها البعض وما بين تسمية «عنان» كما ظللنا نكتبها وهي الأدق من خلال معايشتنا وخبرتنا الشخصية على مدار السنوات العشر التي أمضاهن الدبلوماسي الأفريقي الهادئ الملامح الخافت الصوت في منصبه الرفيع.. ناهيك عن تصريحه شخصيا في مستهل ولايته بأنه يفضل لقب «عنان» في صيغته العربية وكان ملمّا بإيقاعها منذ أيام خدمته في مناطق سيناء وقناة السويس أيام اليفاعة الوظيفية في سلك العمل الدولي.

الأمين العام الجديد يحمل اسما مبسطا في النطق وميسرا في الكتابة.. أين هذا من اسم واحد من أسلافه الأعلام وهو الدبلوماسي السويدي الأشهر الذي تولى منصب الأمين العام خلال أزمة ـ ملحمة السويس في عام 1956 وكان له مواقف مسجّلة ومشهودة إلى جانب حق شعوب العالم الثالث في استقلالها وحرية أوطانها وامتلاك ثرواتها الوطنية.

يومها حارت البرية في نطق وكتابة اسم الرجل. وكانت البداية المعقدة مع لفظة همرسكجولد إلى أن عمدت الأقلام الصحافية العربية إلى تبسيطها لتصبح همرشولد الذي بدأ دبلوماسيا مرموقا في بلاده وانتهى إلى تراجيديا سقوط طائرته الدولية في أحراش الدغل الأفريقي بين الكونغو وزامبيا في عام 1961.

وفيما كان مراقبو الشأن الدولي يتابعون عملية التسليم والتسلم، ما بين مناسبة الوداع وحفل التنصيب. فاجأهم السيد عنان من خلال بيانه الوداعي الذي ألقاه يوم الاثنين 18 ديسمبر بأن خرج عن أسلوبه الهادئ المعتاد خلال السنوات العشر الماضية وعمد إلى توجيه عبارات حادة لافتة للنظر بحق القيادة الأميركية. كان هذا آخر بيان يوجهه الرجل إلى الجمهور الأميركي وقد ألقاه في متحف ومكتبة الرئيس ترومان بولاية ميسوري ويومها قال كوفي عنان:

ـ أنتم، معشر الأمريكان، بذلتم الكثير خلال سنوات القرن الماضي من أجل بناء نظام فعال يقوم على التعددية وكانت الأمم المتحدة في محل القلب من صميمه. فهل تضاءلت حاجتكم اليوم إلى هذا النظام؟.. إنكم اليوم مدعوون للعودة إلى تولي زمام القيادة شريطة أن تتحلى هذه القيادة بالبصيرة وبُعد النظر.

في السياق نفسه ـ يلاحظ الكاتب «وارن هوغ» أن كوفي عنان دعا أميركا إلى أن تظل متمسكة بالمبادئ وأن لا تتخلى عن المثل العليا والأهداف السامية وإلا ساور القلق أصدقاءها في الخارج. (الهيرالدتربيون في 12/12) لكن فريقاً من المعلقين ـ في العالم العربي وخارجه ـ اتهموا كوفي عنان بأنه وجّه انتقاداته وقت مغادرته منصبه الكبير، بمعنى أن السياسي الأفريقي لم يشرب حليب السباع ولم تواته الشجاعة العنترية إلا في لحظات التسليم والوداع.

مع ذلك فنحن نشهد للرجل بمناسبات مختلفة.. وجه فيها انتقادات شتى إلى سلوك الإدارة الأميركية الراهنة على الساحة الدولية، وخاصة في مجال الحرب على العراق التي وصفها كوفي عنان منذ سنتين بأنها «غير مشروعة».. وانتقد بحدّة علنية قيام محافظي واشنطن الجدد بشنّها دون الحصول على موافقة من جانب مجلس الأمن الدولي.

المهم أن الرجل أمضى سنواته العشر كاملة في منصب الأمين العام.. والأهم أنه استطاع أن يقود دفة المنصب والمنظمة وسط أنواء ما بعد الحادي عشر من سبتمبر محافظا كما قد يقال على شعرة معاوية مع إدارة بوش التي عمدت في الفترات الأخيرة إلى انتداب دبلوماسي متعجرف يمثلها لدى الأمم المتحدة وهو السيد بولتون الذي لم يكن يخفي أحيانا مواقف الاستهانة بالأمم المتحدة وأمينها العام ذي الأصل الأفريقي.

والأهم أيضا أن كوفي عنان كان أسعد حظا من سلفه المصري ـ العربي بطرس غالي الذي حكت مذكراته عن المرارات التي تجرع غصتها خلال السنوات الخمس لولايته الوحيدة غير المجددة التي أمضاها في الأمم المتحدة «البيت الزجاجي» كما وصفها الدكتور غالي.

والأهم أخيرا أن اشتفى كوفي عنان من غريمه الأميركي جون بولتون الذي شاءت طوالعه أن يضطر إلى الاستقالة ومفارقة منصب المندوب الدائم لبلاده لدى الأمم المتحدة، وذلك قبل مفارقة عنان نفسه لمنصبه الدولي بأسابيع قليلة.

وفي كل حال فها هي المنظمة والساحة الدولية بل الهموم العالمية تستعد لاستقبال بان كي مون البالغ من العمر 62 عاما الذي اختار في بيانه الأول عقب التنصيب نغمة آسيوية الإيقاع كما قد نسميها، فلم يطلق وعودا رنانة ولا تعرّض للمشكلات العالمية الكبرى بل اختار التأكيد على أنه سيضع من أولويات مهامه اعادة الثقة في المنظمة الدولية التي شوهت سمعتها ـ كما تذكر وكالة الاسوشيتدبرس ـ فضائح الفساد.

وتشاء المصادفات أن يجيء حفل التنصيب آسيويا في طابعه الجوهري، فالاحتفال قادته سيدة آسيوية ـ عربية بالطبع هي «الشيخة هيا آل خليفة» رئيسة الجمعية العامة وطبعا كان نجم الاحتفال هو الدبلوماسي القادم من كوريا الجنوبية وهو ثاني سياسي آسيوي يتولى منصب الأمين العام بعد انقضاء 35 عاما على ولاية أول دبلوماسي آسيوي أيضا هو «يوثانت».

في مضمار السياسة أكد الأمين العام الجديد على ما وصفه بأنه الأعمدة والركائز التي تقوم عليها الأمم المتحدة وتضمها المنظومة الثلاثية التالية:

الأمن.. التنمية.. حقوق الإنسان.

وبصرف النظر عن جلال الاحتفال.. بل عن النغمة الأخلاقية الملحوظة التي سادت أول بيان ألقاه الأمين العام الجديد.. ورغم الطابع الجوهري لهذه الغاية القصوى الثلاثية الأهداف ما بين الأمن.. السلم إلى التطور.. التنمية وحتى العدل وحقوق الإنسان.. فلم يفت نفس الكاتب الأميركي الذي أحلنا إليه (وارن هوغ ـ هيرالدتربيون، عدد 10/12) أن يتوقف التماسا للطرافة الصحافية عند تصريحات أدلى بها مؤخرا الأمين العام الجديد وقال فيها: بصراحة أنا كنت في حالة بطالة ولأول مرة في حياتي حين عرضوا عليَّ المنصب الدولي.

نعم كان الرجل وزيرا لخارجية بلاده.. وكان دبلوماسيا مرموقا ولكن ارتكب مساعدوه خطأ فنيا كلفه منصبه الرفيع وكان ذلك بسبب اتفاق مع واشنطن كانت «سول» قد أبرمته بشأن صفقة صواريخ ذاتية التوجيه ـ واستوجب الأمر اعتذارا رئاسيا قدمته كوريا إلى واشنطن ـ ومن ثم كان على السيد مون أن يترك منصبه في وزارة الخارجية.

في هذا السياق يضيف الأمين العام الجديد قائلا:

ـ ومن حسن حظي أن سول تركتني فترة بغير وظيفة، وأنهم مثلا لم يقرروا تعييني سفيراً هنا أو هناك وخلال هذه الفترة «من البطالة» لاح أمامي منصب مدير ديوان رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة وكان ذلك عام 2001. وهكذا تحولت النقمة إلى نعمة أو كما تقول الحكمة الكورية «جيوون هوا.. ويبوك».

ينحدر السيد مون من أسرة متوسطة في جنوب كوريا أصابتها آفة الإفلاس والفقر مما شكل تحديا للفتى الكوري كي يتعلم الإنجليزية ويواصل دراسته رغم شظف العيش ويحصل على ليسانس العلاقات الدولية في عام 1970 ثم يكافح للحصول على درجة الماجستير في كلية كينيدي لأصول الحكم بجامعة هارفارد في عام 1985 .

وبعدها تواصلت خبرته العملية في مجال التعامل مع الأمم المتحدة سواء من خلال مواقع التمثيل الدبلوماسي لبلاده عند مستويات شتى في بعثة كوريا لدى المنظمة الدولية أو في وظائف تولاها بالإعارة في سلك الأمانة العامة في نيويورك التي صعد مؤخرا إلى طابقها الثامن والثلاثين ليشغل منصب الأمين العام أو المسؤول الإداري الأول لها حسب تعريف الميثاق.

كاتب مصري