الحياة مواقف، وكل إنسان لا بد أن يمر بعدد من المواقف التي لا يمكنه فيها إلا أن يختار ما بين أقصى اليمين أو أقصى الشمال، لأن طبيعة تلك المواقف لا تترك مجالاً لاختيار موقع في المساحة الممتدة بين طرفيها. ومثل هذه المواقف، التي نتعرض لها في مواقيت متباعدة في مشوار حياتنا، وتجعلنا على المحكّ أمام أنفسنا وأمام الآخرين، هي التي تكشف عن معدن الشخص وجوهر شخصيته، وهي التي تبين له قبل أن تبين لغيره، من هو.. ومن أي طينة جُبِل.

ويمكن أن نسمي هذه المواقف ـ على سبيل المجاز ـ بالمواقف البرزخية؛ وأقصد بها تلك اللحظات الملأى بالصراع الداخلي النفسي بين خيارين نقيضين، قد يعيشها الإنسان مرة أو مرات معدودة في حياته، ولكنه ينتقل بعدها من مرحلة إلى أخرى، أو من حالة إلى حالة جديدة ومختلفة عن تلك التي كان يعيشها من قبل اختلافا تاما أو شبه تام.

وفي هذه اللحظات البرزخية يتقرر مصير الإنسان، وترتسم ملامح شخصيته الجديدة من بعد أدائه فيها. ومن الطبيعي أن يؤثر الضغط الحاصل أثناءها على الشخص في طبيعة اختياره، فهي أشبه بلحظات الاختبار الانتقالية في حياة الإنسان، وفيها يعيش الشخص وقتا صعبا وعصيبا، وحينما ينفرج لن يكون الانفراج إلا إلى إحدى حالتين، لا ثالث لهما، إما اليمين أو الشمال.

أن تكون في البرزخ يعني أنك تمرّ باختبار صعب، والمهم هو ألا تخونك ذاتك، وأن تعرف كيف تجيب على أسئلة الاختبار الحياتي الذي سيكشف لك عن معدنك، ويعرّفك حقيقة نفسك، وطبيعة الحياة التي تليق بك بعد عبور هذا البرزخ الحياتي.

ويختلف أداء الناس خلال هذه اللحظات البرزخية باختلاف أعمارهم وطبيعة تكوينهم، وأمزجتهم ونفسياتهم، وخبراتهم وتجاربهم الحياتية، وخلفياتهم الثقافية والتعليمية والفكرية، وكذلك بتباين نظرتهم إلى الأمور ومواقفهم تجاه المحكّات الحقيقية التي يتعرض لها الإنسان لتكشف له ولغيره عن حقيقة أصله ومعدنه.

إن هذه اللحظات هي أكثر اللحظات صعوبة في حياة أي إنسان، لأنه يكون في موقف اختيار وتحديد مصير، ويكون في حاجة إلى حسم موقفه على نحو لا يندم عليه. ومن الطبيعي أن تختلف دواعي الندم من شخص إلى آخر، ومن الطبيعي كذلك أن يكون الشعور بالندم مصاحبا للإحساس بإساءة الاختيار، ولكن إساءة الاختيار أيضا تختلف طبيعتها باختلاف الأشخاص، لأنها أمر نسبي لا يمكن ضبطه ضمن قاعدة أو قانون.

وخلال اللحظات البرزخية يعيش الإنسان صراعا داخليا تنعكس آثاره عليه خارجيا ـ غالباـ حتى يستقر على حال ورأي. ومن هذه اللحظات التي يعيش فيها الإنسان صراعا داخليا وعذابا نفسيا، على سبيل المثال: الصراع بين أن يكون الإنسان ذاته ـ كما يريد هو أن يكون ـ، وبين أن يكون غيره ـ كما يريد له الآخرون أن يكون ـ. ففي مثل هذه الحالة التي تتكرر بأشكال مختلفة يجد الإنسان نفسه فريسة خيارين نقيضين يقضان مضجعه ويحرمانه هانئ النوم ولذيذ الراحة، لأنه سيحتاج وقتا لا يعرف أمده كي يجتاز هذا البرزخ الذي يوضَع فيه رغما عن إرادته.

وسأكتفي بذكر مثالين ـ من صميم واقعنا ـ يتكرران كثيرا، ولكنهما مجرد نموذج بسيط ومكرر لحالة الصراع التي يعيشها بعض الناس في مواقف برزخية مماثلة. من ذلك مثلا، ما قد يتعرض له المرء من أقرب الناس إليه، أعني الوالدين، إذ يستخدم بعض الآباء سلطتهم على الأبناء في أمور لا يحق لهم فيها ذلك، ومنها على سبيل المثال طلب الوالدين أو أحدهما من الابن تطليق زوجته دون سبب، أو لأنهما يريدان له زوجة أخرى، أو لأنهما لا يحبانها، حتى إن كانت زوجة صالحة في نظر الابن نفسه، وهو سعيد بحياته معها.

هذا موقف من المواقف التي يجد الإنسان نفسه فيها غارقا في بحر من الحيرة، لا يعرف كيف يتصرف أو ماذا يختار بين أمرين أحلاهما مرّ؛ فحق الوالدين معروف، ورضاهما من رضا الله عز وجل، وغضبهما من غضبه، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يظلم نفسه وزوجته، ويطلقها دون ذنب اقترفته. ولا توجد أي مساحة مضيئة بين الخيارين المتاحين؛ إما أن يرضي والديه ويطلق زوجته، أو يغضب والديه ويكسب زوجته، واختياره هو الذي سيحدد معدنه، وهو الذي سيحدد مدى حكمته ورجاحة عقله.

مثال آخر من هذه المواقف هو موقف أي موظف مع الشخص المسؤول عنه في العمل، إذ قد يطلب المسؤول من الموظف أن يقوم بعمل مخالف أخلاقيا، أو قانونيا، لمصلحة أحد الأشخاص الذين تربطهم بالمسؤول علاقة مصلحة أو قرابة أو غير ذلك.

ويتكرر الصراع الداخلي نفسه الذي يمرّ به صاحب الموقف السابق، وتلقي التساؤلات الثقيلة ذاتها بظلالها على الشخص وهو غارق في حيرته أيضا، ويتساءل بينه وبين نفسه: ما الذي يجب عليه فعله؟ وكيف يمكنه أن يخرج من الأزمة بأقل الخسائر، فلا يخسر وظيفته برفض الاستجابة لأوامر المسؤول، ولا يخسر نفسه بالاستجابة التي ستجره نحو هاوية لا يعلم لها قرارا.

المعادلة صعبة، والتوفيق بين طرفيْها يحتاج إلى قوة عظيمة كي يحدث، وغالبا لا يحدث. والذي يحدث في مواقف كهذه هو أحد احتمالين: إما أن يفعل ما هو مقتنع بأنه الصواب، ويكون راضيا عن نفسه حتى إن سخط عليه الآخرون، أو العكس، أي أن يفعل ما يريده منه الآخرون، وهو مقتنع أنه خطأ، ويقضي بقية حياته ساخطا على نفسه.

ولا يرتبط الأمر بطاعة الوالدين، أو بغضب الله عز وجل، أو بأبغض الحلال، أو بضرورة تنفيذ أوامر المسؤول في العمل أو بأي شيء من هذه التفاصيل، إنما يرتبط بالدرجة الأولى بشخصية الإنسان نفسه الذي دخل هذا الاختبار، كيف سيخرج منه، وما الذي سيضيفه إليه اختبار كهذا؟ وكيف سيكون رضاه عن نفسه بعد أن يجتازه، وهل سيكون في نظر نفسه من أصحاب اليمين أو من أصحاب الشمال؟

قد تكون الاستجابة لمطالب الآخرين ـ مع تحميلهم مسؤولية العواقب ـ اختيار أفراد كثر من الناس، لأنها -في نظرهم- تعفيهم من المسؤولية، وتجعلهم أبرياء أمام أنفسهم على الأقل، وتكون حجة لهم يتذرعون بها أمام الآخرين: كرضا الوالدين في الموقف الأول، أو طاعة المسؤول في الموقف الثاني.

وغير ذلك من حجج يحاول أن يدعم بها موقفه، وهو من حيث لا يدري يزيد موقفه ضعفا، وملامحه تشويها، لأنه لم يعرف كيف يحافظ على أن يكون نفسه، وترك للآخرين مهمة تسييره وفق أهوائهم، دون أن يكون له أدنى رأي أو قرار، أو قدرة على التصرف كما يريد هو حتى إن اختار ما يريده الآخرون، ولكن بإرادته واختياره.

أما الذين يختارون أن يكونوا أنفسهم، وأن يعبروا في المواقف الصعبة ـ البرزخية ـ عن آرائهم بشجاعة وجرأة، حتى إن خالفوا فيها الآخرين، أو خيبوا آمالهم، أو خسروهم، فهم قد كسبوا أنفسهم، وهذا هو المهم، وهو الأبقى، فليس للإنسان بعد أن يخسر نفسه من مكسب حتى إن جمع إليه مال قارون، وإذا كسب نفسه وحافظ على احترامه لذاته ـ وهو الذي سيجبر الآخرين على احترامه أيضا ـ وخسر الآخرين فإن كل خسارة تهون، لأن كل الخسارات دون خسارة النفس وفقدان احترام الإنسان لذاته.

جامعة الامارات