ظاهرة غريبة تحتاج إلى دراسة وتحليل، وهي ظاهرة سقوط حلفاء أميركا من القادة والزعماء الواحد تلو الآخر في ظروف متشابهة مؤداها تخلي واشنطن عنهم في اللحظات الأخيرة، وأمامنا صدام حسين كنموذج بالقطع لن يكون الأخير، وقد سبقته نماذج كثيرة ومتعددة على مدى أكثر من نصف قرن، لو استعرضنا أهمها ممكن أن نبدأ بفاروق ملك مصر المخلوع عام 1952 .

والذي وعده الأميركيون باستقباله وتوفير اللجوء له على أراضيها ودعمه لاستعادة عرشه، وخرج فاروق من مصر إلى نابولي في إيطاليا، وظل يلح على واشنطن أن تفي بوعدها والسفير الأميركي يرفض مقابلته، حتى جاءه أحد موظفي السفارة بعد ستة أشهر ليخبره أن واشنطن لا تستطيع استقباله لأنها ببساطة تسعى لفتح علاقات مع النظام الجديد في مصر وكانت صدمة لفاروق الذي غرق بعدها في الشراب.

نموذج آخر وهو شاه إيران الصديق الحميم لواشنطن الذي خرج من بلاده بعد ثورة الخميني ورفضت واشنطن استقباله، بل وطلبت من الدول حلفائها عدم استقباله ،والرجل يعاني من المرض ويحتاج للعلاج، وعندما قرر الرئيس المصري السادات استقباله اتصل به الرئيس الأميركي كارتر يقول له حسبما كتب هيكل :« إنني أقدر مشاعركم الإنسانية ولكنني أنصحكم بالعدول عن استقبال شاه إيران في بلادكم »، ولكن السادات من منطلق حبه وولعه بالأغنياء من الملوك والأباطرة رفض نصيحة كارتر واستضاف الشاه الذي مات بعد ذلك ودفن في مصر.

نموذج آخر حاكم بنما مانويل نورييجا والذي قدم للمخابرات الأميركية ما لم يقدمه أحد من عملائها الكبار، وكان من أقرب الأصدقاء لبوش الأب أثناء رئاسته للمخابرات الأميركية، ولم يمنع هذا من هجوم القوات الأميركية على بنما عام 1989 والقبض على نورييجا وإلقائه في السجن.

نموذج حديث وهو رئيس جورجيا السوفييتية السابقة إدوارد شيفرنادزه الذي خلعته الثورة الوردية المدعومة بالكامل من واشنطن في نوفمبر 2003، يقول شيفرنادزه لصحيفة ديلي تليجراف البريطانية في فبراير عام 2004 «لقد قدمت للأميركيين كل ما طلبوه مني، بل وأكثر مما طلبوه، ولعبت دورا أساسيا في انهيار الاتحاد السوفييتي.

وقدمت لهم قاعدة عسكرية على أراضي جورجيا بالقرب من الحدود الروسية، وجلبت جنرالاتهم ليدربوا جيشنا ويقودوه، ورغم كل هذا خانوني ودبروا الانقلاب ضدي، وكان السفير الأميركي يجلس معي وبعد ساعة واحدة شاهدته وسط المتظاهرين ضدي في الميدان أمام مبنى البرلمان، ولا أدري لماذا فعلوا ذلك معي ».

نموذج آخر في العام التالي 2005 رئيس أوزبكستان إسلام كريموف الذي كاد أن يسقط لولا القدر، كريموف الذي اختاره البيت الأبيض عام 2000 أكبر حليف لواشنطن في آسيا الوسطى خاصة بعد أن وطد علاقاته مع إسرائيل حتى اتهمته موسكو بأنه حول بلاده إلى مركز للموساد والسي أي أيه وبعد أحداث 11 سبتمبر قدم كريموف الخدمة الكبيرة لواشنطن بمنحها أكبر قاعدة جوية على أراضي بلاده والتي أغارت منها كل الطائرات الأميركية على أفغانستان.

ولكن لم يطل الأمر وانقلبت واشنطن على كريموف بدون أية أسباب واضحة ودعمت الانتفاضة الشعبية ضده في مايو عام 2005 والتي قمعتها قوات الأمن الأوزبكية بقوة شديدة أدت لسقوط عدد كبير من الضحايا، وتصدت واشنطن لحملة دولية تطالب بتحقيق دولي لنظام كريموف لقمعه المتمردين ضده، ورفضت موسكو وبكين التحقيق الدولي، ليستوعب كريموف الدرس بسرعة ويأمر بطرد القاعدة الأميركية من بلاده في ظرف شهرين، وتخرج القاعدة وتعود أوزبكستان لأحضان جارتيها الكبيرتين روسيا والصين.

الحديث عما قدمه صدام حسين للأميركيين لا يتسع له المجال هنا، يكفي القول إن واشنطن حالت دائما دون صدور قرار في مجلس الأمن بإدانة نظام صدام عن العديد من الجرائم والمذابح التي ارتكبها ضد شعبه، وعارضت أكثر من قرار فرض عقوبات دولية على بغداد، وعندما صوت مجلس النواب الأميركي بأغلبية ساحقة مع فرض عقوبات على العراق في سبتمبر 1988 أسقط البيت الأبيض قرار مجلس النواب.

وقال مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق بيرجنسكي « إننا لا نرى أي تعارض في المصالح بين واشنطن ونظام صدام في العراق »، ودعموه في الحرب ضد إيران، وساعدوه على اتخاذ قرار غزو الكويت، وربما يصدق من قال إن صدام ولآخر لحظات محاكمته كان يعتقد أن واشنطن سترد له الجميل وتكافئه على ما قدمه لها من خدمات على مدى أكثر من ثلاثة عقود مضت، ولكن على ما يبدو أن مسلسل سقوط الحلفاء مستمر، وسيستمر إلى ما شاء الله.

elmoghazy@hotmail.com