بخطى غير هيابة تقدم صدام حسين إلى حبل المشنقة، كأنما كان يعرف أن هذا قدره.. لم يبد الرجل جزعاً ولا خوفاً وإنما رباطة جأش ليست غريبة عليه.

صدام رغم أي اختلاف أو اتفاق معه رجل شجاع وليس رعديداً أو جباناً كما أراد أعداؤه تصويره، وكلما أوغل جلادوه في محاولة إذلاله انقلب الموقف المسرحي الذي أرادوه خزياً إلى بطولة، تزيد من رصيده عند الناس، حتى من أولئك الذين عادوه وكالوا له النقد عندما كان في عز سطوته وجبروته، وكنت واحدا منهم.

ليس معلوماً حتى الآن من هو العبقري الذي تفتق ذهنه عن إعدام صدام صباح يوم عيد الأضحى المبارك، لا بد أنه واحد من العلوج (كما كان يحلو لمحمد سعيد الصحاف وصفهم) وربما كان كبيرهم أو كبير محافظيهم الجدد الذي لا يزال متدثراً في البيت الأبيض.. كلنا يعرف أن مشاعر الناس في يوم مبارك كهذا تجنح للعفو والتسامح.

وليس للثأر والقصاص. وصدام ليس واحداً من غمار الناس، وإنما رئيس دولة عربية ظل حاكماً لنحو ربع قرن وكما أن هناك عراقيين وإيرانيين وكويتيين يكرهونه، فإن عراقيين وقطاعاً من العرب يحبونه.. أما القطاع الأكثر اتساعاً فإنه تسامي بنفسه عن المشاعر السلبية، وأصبح متعاطفاً مع صدام بمجرد خروجه من السلطة على يد الاحتلال الأميركي.

ومع أن صدام لم يكن طائفياً، فإن الاحتلال الأميركي أراد لمشهد إعدامه أن يفجر حرباً طائفية.. فالشريط الذي تسرب للإعدام وأذاعته القنوات الفضائية يظهر أناساً طائفيين كانوا بجوار المشنقة وأخذوا يهتفون اللهم صلي على محمد وآل محمد وقرب فرجهم.. وأذل أعدائهم، ثم صوت يقول مقتدى مقتدى وآخر يهتف يعيش محمد باقر الصدر.

ويستفز صدام في لحظة موته فيقول: هل هذه هي المرجلة؟ (مستغرباً الشماتة فيه) ثم يقول شخص موجهاً حديثه إلى صدام إلى جهنم ويحاول صوت آخر طالباً وقف هتافات الشماتة هذه ويقول: أترجاكم.. الرجل في لحظة إعدام.. ثم ينطق صدام الشهادتين بصوت عال لكأنما يطلب الإسراع بالإجهاز عليه.

الذين أرادوا لصدام مشهد موت هوليوودي مذل.. أدخلوا دون أن يدرون لحظة إعدامه ضمن لحظات تاريخية مشرفة ترفع رأس أصحابها.. فالتاريخ مهما كان كتابه لا ينسى مشاهد إعدام عمر المختار (على يد الغزاة الايطاليين) ومحمد كريم (على يد الغزاة الفرنسيين في الحملة الأولى على مصر) وطومان باي (على يد الفاتحين العثمانيين لمصر المملوكية) ووليام والاس (على يد الغزاة البريطانيين لأيرلندا).. وهذا الجيل لاينسى على الأقل مشهد إعدام المختار ووالاس بعدما خلدتهما أفلام سينمائية.

ليس موجعا أن يقوم العراقيون بإعدام صدام انتقاماً لما ارتكبه من جرائم في حقهم، فلو كان مشهد إعدامه مثل لويس السادس عشر ما تعاطف معه أحد، لكن أن يقوم الأميركيون بهذا العمل منذ لحظة اعتقاله ومسرحية محاكمته وحتى لحظة تسليمه للمشنقة، فهذا مثير للتعاطف مع صدام والاشمئزاز من جلاديه..

ويزيد الأمر سوءاً اختيار التوقيت، فالشيطان الذي أملى عليهم ذلك إنما أراده يوم ذل للعرب والمسلمين، لكنه دون أن يدري رفع من مكانة صدام، ومنحه حياة في صفحات التاريخ مع عمر المختار ووليام والاس.

يروي خصوم الرئيس العراقي الراحل أن أحد أبناء صدام تورط في قتل ابن شيخ عشيرة، وأصر الرجل أن يأخذ بثأره.. فتدخلت أجهزة الدولة العراقية محاولة إقناعه بأن يرضى بالدية إذ ليس من المعقول أن يقتل ابن رئيس الجمهورية، فرد عليهم قائلا: لن أقتل ابن صدام وإنما سأقتل صدام نفسه.. وعندما علم صدام بالأمر بعث للرجل من يقول له: لك كل الحق في ذلك.. ولكن عليك أن تنتظر في طابور طويل من خمسة آلاف شخص.

أظن أن مشهد إعدام صدام واحد من الحسابات التي يتم تصفيتها على وجه السرعة قبل أن ينسحب الأميركيون مكللين بالخزي، فقد فشل مشروعهم في العراق، وأعدموا صدام الذي كان بمثابة رجل بعين واحدة وسط عميان على حد وصف السياسي البريطاني جورج جالاوي..

وبعد ثلاث سنوات وتسعة أشهر من الاحتلال لم يحرر الأميركيون العراق وإنما أسقطوه في برك لا تنتهي من الدماء وفي هوة أحقاد مذهبية، وتركوه فريسة لأطماع الجيران ولشماتة إسرائيل.شنق صدام المشهدي هذا على يد الاحتلال وفي يوم العيد منحه حياة جديدة يحسده عليها جلادوه.

magdishendi@hotmail.com