أيام كنا أكثر قرباً من البحر كان الساحل ساحة فرح يومية ومخدة أحلام يقظة لا تعد ولا تحصى، انا وعدد من الأصدقاء كانت متعتنا الفريدة ان نتواجد صباح كل يوم هناك قرب الأمواج والأسماك الصغيرة والأصداف التي تركت نفسها بيوتا صغيرة لحبيبات الرمل.

في يوم عطلتنا الأسبوعية تتحول ساحة الساحل إلى مهرجان مصغر لألعابنا التي نرتجلها فوق الرمل الأبيض، أما المتعبة الكبرى فهي اللحظة التي تنقذف فيها سنانيرنا باتجاه العمق، نمسك بطرف خيطها ونغرق في صمت عميق في محاولاتنا المستميتة للإحساس باقتراب تلك الأسماك الصغيرة الملونة من الطعم.

شعور الانطلاق هذا والانغمار في الأحلام الجميلة كان يتضاعف حينما نمارس طقوس الشاطئ في يوم عيد، كنا دائما نقول ان البحر يهدأ وتنام أمواجه ورياحه في يوم العيد، وكنا نقول ان الأسماك الصغيرة الملونة التي نعشقها ونتيه في حبها كحبيباتنا الكثر تقترب من رمل الشاطئ اكثر في يوم العيد. لهذا كنا نعد العدة.

يبدأ صباح العيد بالمرور على الجيران نسلم ونهنئ بالعيد ونقبض العيدية، وعند الظهيرة نتوجه جميعا إلى دكان العم خميس لنشتري خيوط الصيد البلاستيكية ونهرول مسرعين بملابسنا الجديدة إلى تلك الساحة المستطيلة المعطرة بماء الملح ورائحة الفسفور.

لا اعرف ما الذي يدفع طاقاتنا البدنية للتضاعف مرات ومرات ما ان نخرج رؤوسنا من زقاق الحي المقابل للبحر ونشاهد أول الموج..في تلك اللحظة تطير بنا أقدامنا في لمح البصر إلى حافة الشاطئ، تلامس أصابع اقدامنا الماء فنشعر اننا وصلنا إلى جنتنا المائية.

لم نكن نعول على الأسماك التي نصطادها لأنها صغيرة جدا ولا تؤكل، ولكننا نشعر بالنصر الكبير حينما يلوح احدنا بواحدة قد اصطادها للتو..انه الفوز وتحقيق الهدف.

مجموعة من أصدقاء الطفولة غابوا عن ناظري اليوم، لا اعرف أين هم.. والى أين ذهبت بهم الحياة؟. لكن قهقهاتهم البريئة مازالت تسكن ذاكرتي السمعية وملامح من بقايا ملامحهم تتراءى لي أمام عيني التي فقدت شيئا من قوتها ووضوحها.

ولم تعد لذلك البحر حافته القديمة بعد ان سيج ورصف..ولا اعرف ان كانت بعض الأسماك الصغيرة الملونة مازالت تنتظرنا كما كانت تفعل في كل عيد؟

كان البحر وشاطئه قريتنا العالمية التي فتحت لنا منافذ لمداركنا التي نقتات منها اليوم.

mhalyan@albayan.ae