يفتح العيد دفتر الذكرى، لا أعرف لماذا تلح الصور القديمة المتراكمة في الذاكرة أن تكسر حاجزها وقيدها لتكون في الواجهة، لعل الحاضر به شيء من حزن، شيء من ألم، شيء يحتاج الهرب منه بأي وسيلة، هكذا أقول في نفسي كلما واجهني الإلحاح.
كان العيد أجمل وأحسن وفرحته أكثر اخضراراً ووردته نظرة وشجرته يانعة، كثيرون يعترفون بشيء من هذا، فيعيدون قلب الصفحة على ظهرها ويعترفون بسهولة: هذا لأن الألم اقل حدة والفرح اعم من الحزن في تلك الأيام الخوالي..لكن العيد هو العيد في كل مرة لم يتغير ولم يتبدل، أنت الذي تغيرت وأنت الذي تبدلت، وأنت الذي تراكمت أمامك خبرات في المسرات وخبرات في الكروب..
تقول: هذا زمن حرب، زمن صار فيه قتل الإنسان أسهل من قتل بعوضة، وما عادت للأغنيات الجميلة فيه حضورها الكرنفالي.تقول: إن هذا الزمن فرغ من أناسه الطيبين وما عاد الود يعجن علاقاتهم ببعضهم البعض، فقد غلبت المصالح وصار الأناني هو الذي يستطيع المحافظة على وجوده.
لكنه العيد.. فرح طفولي لا يقاوم وانطلاق في فضاء الرضا والتصالح.. تعود الذاكرة من جديد تثبت لك بالحجة والبرهان ان وجهك في الصور القديمة كان أكثر إشراقاً وابتسامتك أعمق وسعادتك في قمة نشوتها.يجلب العيد جدل السعادة والرضا كل مرة.. ولا تملك إلا العودة إلى أرشيف الذاكرة تجد فيه شيئاً من ملامحك التي ترضى عنها.
العيد يجلب معه أيضاً ذكرى الحبيبات الأوليات، مشاغبات ومشاكسات ونجمات الهوى العذري، يوم كان الحب قصيدة عصماء نقية شريفة الكلمات ومعانيها ماسات لا تباع ولا تشترى.يجلب العيد معه ذكريات نقش حنائهن والحروف الصغيرة المخبأة عند حواف «الروايب»، حرف من اسم الحبيب منقوش باللون الأحمر القاني على كف ندي بياضه بياض «حيب نخل الوادي»®.
يجلب العيد معه روائح الزعفران والهيل والقرنفل ودهن العود وماء الورد وجدائل صبية طرن أمام شمس الأصيل على شاطئ ملحه بطعم السكر، وسفن في عمق المشهد فتحت أشرعتها للوجد.العيد نافورة حب شربت من ألوان الطيف مال بها في كل الاتجاهات..ودفتر الذكرى حديقة تفتح أبوابها للزيارة دون بطاقة دخول.بين العيد والذكرى تحالف لا أستطيع فكه أو غزوه وتغيير نظام الحكم فيه!!.