عام قاس آخر يمر على الفلسطينيين، لا يجعل السواد الأعظم منهم قادرا على رؤية الضوء في آخر النفق المظلم. الفلسطينيون دشنوا بداية العام بانتخابات تشريعية نظيفة، جعلتهم يفخرون بصياغة تجربة ديمقراطية لا مثيل لها في المنطقة. غير أن تلك التجربة التي تغنى بها وصفق لها المراقبون الدوليون والعرب، سرعان ما عادت

لتؤكد أن الفلسطينيين لا يمكن أن يكونوا غير ما تكون عليه أمتهم العربية باعتبارهم جزءاً أصيلاً من نسيجها، فالديمقراطية في مثل هذه البيئات الاجتماعية السياسية ليس فقط مجرد انتخابات لا تشوبها شائبة، فقد تصبح مثل هذه الديمقراطية التي تقتصر على العملية الانتخابية عبئاً على الشعب الذي أقامها وعبئاً على الديمقراطية كخيار للبناء والتطور.

ما جرى في الأراضي المحتلة يوم 25 /1/ 2006، لم يكن عملية انتخابية عادية، بقدر ما أنه انقلاب ديمقراطي أطاح للمرة الأولى بسلطة حركة فتح التي قادت الساحة الفلسطينية لنحو أربعين عاماً، وحملت إليها لأول مرة في تاريخ المنطقة حركة إسلامية تتسم بالجهادية في ظل ظروف دولية وعربية مجافية.

وإذا كان من شأن هذا الانقلاب وبحكم مركزية القضية الفلسطينية، أن يؤدي فعلياً إلى بداية تغيير النظام السياسي الفلسطيني بأكمله، فإن الكثيرين بما في ذلك الفلسطينيون لم يستوعبوا المضاعفات والأعراض الجانبية التي ستصاحب هذا التغيير الكبير والاستراتيجي والذي ينطوي على تداعيات إقليمية ودولية، فضلاً عن تداعياته الفلسطينية.

كان من الطبيعي أن يأتي ثمن هذا التغيير الكبير مساويا لحجم تداعياته الواسعة، ولكن ذلك الثمن سيثقل على الفلسطينيين الذين لم يرتاحوا بعد لكثرة الضحايا وضخامة الآلام التي يدفعونها على مذبح الصراع الدامي مع الاحتلال. بوسع الفلسطينيين كما أي شعب آخر، أن يحتملوا ظلم الاحتلال وجوره وأن يدفعوا ثمن حريتهم،

ولكن من المؤكد أنهم كبشر وكشعب مكافح لا يمكنهم أن يستوعبوا أو يتقبلوا بأن يدفعوا ثمناً باهظاً، لصراع على السلطة بين فصائلهم وقياداتهم السياسية، التي يتطلعون إلى أن تكون عوناً لهم لا عبئاً عليهم، ومقابل أجندات فصائلية تضع نفسها بديلاً عن المصالح العليا للشعب.

وفي المشهد الفلسطيني سنلاحظ بكل بساطة، الآثار الخطيرة والضخمة الناجمة عن حصار ظالم شامل، تشترك فيه أطراف كثيرة دولية وإقليمية، فضلاً عن إسرائيل، سواء من حيث تفاقم الفوضى والفلتان الأمني، أو الفقر الذي بلغ مستويات غير مسبوقة تصل إلى 70%، أو شبه الانهيار الاقتصادي وشلل في النظام السياسي والحركة السياسية، أو لجهة تفاقم الصراع الداخلي إلى حدود تهدد الأمن الفردي والنسيج الاجتماعي.

حصاد هذا العام من الصراع الداخلي على السلطة كان كارثياً، إذ يزيد عدد ضحاياه عن ثلاثمئة وسبعين قتيلاً وأكثر من ألف وخمسمئة جريح، والحبل على الجرار طالما لم يتوصل الفرقاء بعد إلى حلول للأزمة متفق عليها من قبل الجميع. وفي المشهد أيضاً العدوان الإسرائيلي الذي لم يتوقف كل الوقت وتصاعد منذ اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت في 25 /6 /2006، إلى مستوى شن الحرب على الأراضي الفلسطينية وخصوصاً قطاع غزة.

بالمقابل يسجل الفلسطينيون صفحة من صمود أسطوري في وجه الاحتلال حتى عجز عن مواصلة استخدام القوة، فوافق أيضاً للمرة الأولى منذ سنوات طويلة على اتفاق تهدئة متبادلة ومتزامنة تقتصر حتى الآن على قطاع غزة، وثمة استعدادات إسرائيلية وفلسطينية لأن تشمل أيضاً الضفة الغربية.

وغير استكمال المشهد فإن من المنطقي أن تقتصر قراءة المشهد الفلسطيني على ما يجري من أحداث مباشرة على الأرض الفلسطينية، ومن أجل سلامة التحليل لابد من قراءة الأحداث والتطورات الجارية إقليمياً ودولياً، وعلى المستوى الإسرائيلي، فخلال هذا العام، فشلت إسرائيل في حربها ضد حزب الله ولبنان في شهر يوليو وضد الفلسطينيين، وبسبب ذلك تعاني حكومتها من ضعف شديد وتحديات كبيرة جعلتها تتخلى عن «خطة الانطواء»، ولإنقاذ نفسها وسياستها لما قد تأتي به الأيام من مبادرات.

وترصد لنا أحداث هذا العام تفاقم الفشل الأميركي في العراق، وضعف وتراجع الإدارة الأميركية، وشعورها بالحاجة لإدخال تعديلات مهمة على إستراتيجيتها في التعامل مع قضايا المنطقة، ابتداءً بالعراق والصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي ولبنان وآليات بناء الشرق الأوسط الجديد، وكلها قضايا خضعت لدراسة متخصصة شارك فيها فريق من المفكرين الإستراتيجيين على رأسهم جيمس بيكر ولي هاملتون.

ويتواصل الفشل الأميركي في معالجة الملف النووي لكوريا الشمالية، والملف النووي الإيراني، فيشكل كل ذلك فرصة للثلاثي الأوروبي فرنسا واسبانيا وإيطاليا، تلتقي معها بريطانيا بهذا القدر أو ذاك، للبدء بصياغة مبادرة تقوم على فكرة عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط في إطار إعادة بناء وتنشيط العملية السياسية.

المبادرة الثلاثية تؤكد أولاً فشل العملية السياسية السابقة بآلياتها ومرجعياتها وإطارها وتؤكد أيضاً القناعة التي أخذت تتشكل بأولوية معالجة ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي كأساس ومقدمة لنجاح الإستراتيجيات الدولية التي تتصل بالمنطقة أو بالحرب على الإرهاب، فضلاً عن أن هذه المبادرة تعني بطريقة أو بأخرى فشل سياسة التفرد الأميركي بالهيمنة على مجريات عملية السلام في الشرق الأوسط.

الوضع العربي أيضاً الذي يعاني من آثار هذه المتغيرات، سواء فيما يجري منها في الساحة الفلسطينية أو لبنان أو العراق، أو في الجوار الإقليمي، أخذ يبدي اهتماماً أكبر بتوسيع مساحة دوره وتحركه فيما يتصل بقضايا المنطقة، والإقليم، وإزاء دفع الفاعلين الدوليين لبذل جهد أكبر إزاء معالجة ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي.

لكل ذلك، تخشى إسرائيل من تطوير مبادرات وأدوار ترغمها على قبول ما لا ترغب بقبوله، وهو ما يفسر استعدادها لإبداء مرونة مع الفلسطينيين تتمثل بقبول التهدئة والالتزام بها رغم استمرار سقوط الصواريخ من قطاع غزة، واستعجالها إجراء لقاء القمة بين إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس في القدس الغربية يوم الأحد الماضي الرابع والعشرين من الشهر الجاري، والذي نجم عنه جملة من الوعود والإجراءات التخفيفية، التي تستهدف إعادة بناء الثقة وإظهار حسن النية تمهيداً لمعاودة المفاوضات.

وبذلك فإن إسرائيل ترغب في أن تقطع الطريق على المبادرات الدولية والعربية الأخرى، وتتيح المجال للمبادرة الأميركية الجديدة التي ستحملها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال جولتها القريبة للمنطقة والتي قيل إنها ستعقد خلالها لقاء قمة ثلاثية تجمعها مع أولمرت- عباس.

المبادرة الأميركية كما أشارت إليها صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، تتحدث عن ثلاث مراحل تنتهي بإقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، قبل نهاية ولاية الرئيس جورج بوش أي خلال سنتين. هذا ما تريده وتسعى إليه كل من إسرائيل والولايات المتحدة، ولكنهما بذلك لا تقدمان جديداً، إذ أن هذه المبادرة موجودة في خارطة الطريق، فضلاً عن أنها تتطابق إلى حد كبير مع خطة الانطواء، ولكنها تفترض أن تتم باتفاق مع الفلسطينيين وليس كخطة مفروضة من جانب إسرائيل.

هنا ينهض التساؤل بشأن علاقة الصراع الدائر على السلطة بين حركتي حماس وفتح، وبين التطورات الدولية والإقليمية والمحلية التي أشرنا إليها، بما يضفي على هذا الصراع أبعاداً سياسية مهمة، فلقد تزامنت بعض هذه التطورات مع نشر وثيقة سياسية توصل إليها مستشار رئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور أحمد يوسف، مع مبعوثين أوروبيين من النرويج وسويسرا وبريطانيا، وتتحدث عن استعداد حماس للموافقة على هدنة لخمس سنوات تسبق قيام دولة ذات حدود مؤقتة متفق عليها، مع نصوص أخرى غامضة بشأن القدس، وصيانة مبدأ حق العودة وجملة من قضايا التعاون.

حماس نفت أن تكون وقعت على هذه الوثيقة، وقالت إنها مجرد صياغة أوروبية تعكس فهماً معيناً لرؤية حماس السياسية، غير أن هذا يفضي إلى صراع سياسي بين رؤيتين تتعدى آثاره الوضع الفلسطيني الداخلي، ويلحق ضرراً بالقضية الفلسطينية، حيث أن الرئيس عباس رفض هذا الحل، واعتبر الوثيقة تنازلاً عن الثوابت الفلسطينية.هنا يتضح مرةً أخرى، مدى حاجة الفلسطينيين للتوحد، ومدى الضرر الذي يلحق بهم وبقضيتهم في ظل استمرار هذا الانقسام والاحتراب، فهل يحمل العام الجديد جواباً عن هذا السؤال المهم والمركزي؟.

كاتب فلسطيني