يمضي الوضع في العراق نحو الأسوأ كل يوم، بينما تزداد قناعة أغلبية كبيرة من العراقيين، بأن استمرار الوجود الأميركي يعد سبباً رئيسياً في استمرار المجازر اليومية التي تشهدها بلادهم. ورغم كل ذلك، يظل مؤيدو إدارة بوش على إصرارهم وتكرارهم لقول مفاده: إن انسحابنا من العراق، لا يعني شيئاً آخر سوى استمرار الفوضى الأمنية.
والسؤال الذي يطرح نفسه إلى ماذا سيتجه العراق إن انسحبت القوات الأميركية منها... إلى الحرب الأهلية مثلاً؟ فالحقيقة أن هذه الحرب قد ضربت العراق سلفاً، مع العلم أميركا تتحمل الوزر الأكبر في نشوبها. وربما يصح القول بأن السبيل الوحيد لإنقاذ العراق هو رحيل القوات الأميركية منها. وهذا هو ما يذهب إليه اعتقاد العراقيين أنفسهم، الذين يعتقد كثير منهم أن أحوالهم ستكون أفضل بكثير في حال مغادرتنا.
التخويف من حرب أهلية في العراق كان ولا يزال تخويفا يصب في مصلحة الطائفية وليس في المصالح العليا للشعب العراق الواحد والعراق الموحد، ولهذا فان كل التحركات المتوازية أو المتقاطعة ستقع في ذات الأخطاء التي ارتكبها الغزو والاحتلال، اذا لم تؤمن فان وحدة العراق والعراقيين هي الضمانة الوحيدة لمنطقة الخليج وللإقليم العربي وحتى للسلام الدولي، فالحروب الظالمة تفتك بالناس لكنها لا تصنع الحياة على الأرض،
سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان أو أفغانستان إذا واستمر الوهم بان بقاء القوات الأميركية في العراق هو نصرة للأمن في البلاد، فان الوضع سيبقى على ما هو عليه. ان الرئيس الأميركي جورج بوش يريد ان يتحرك بشكل جرئ واستباقي. وربما انه يتم نصحه بعمل الشيء الصح حتى الآن من خلال تبني استراتيجية يمكن ان يجدها مؤلمة في القريب لكنها هي الخيار الأفضل الذي أمامه،
على سبيل المثال يعتقد اغلب الخبراء ان الوضع الذي يتدهور بسرعة في العراق بحاجة إلى إعادة استقرار عاجل قبل ان تغطي حرب أهلية شاملة على الأحداث. وربما يتطلب إحلال الاستقرار استخدام مباشر للقوة العسكرية بل انه قد يتطلب إرسال مزيد من القوات الأميركية في الأجل القصير وفق طلب تقدم به جنود في العراق لوزير دفاعهم روبرت غيتس حين زار بغداد.
غير أن الشيء الوحيد المؤكد في كل هذا، هو عدم قدرة الإدارة الأميركية على إرضاء الكثيرين بآخر ما ستتخذه من قرارات بشأن الوضع العراقي. والسبب هو أنه ليس أمامها من خيارات جيدة تذكر، لإبدال قتامة الوضع هناك، بنتائج إيجابية سيما وان القوات الأميركية تكبدت خسائر بشرية فاقت خسائر هجمات 11 سبتمبر حسب تصريحات الساسة الأميركيين.
وغني عن القول إن جميع الخيارات التي انتهجتها إدارة بوش لا ترقى إلى مستوى الحلول الشافية التي تخرج أميركا من العراق، بل قد تزيد من مفاقمة الوضع الأمني المتدهور أصلاً. وحتى ما إذا أرادات الولايات المتحدة المضي قدماً في أخذ خيارات لجنة بيكر-هاميلتون فإنها تفتقر إلى القوة اللازمة لتطبيقها على نحو فعال يسهم في تغيير مسار الحرب في العراق.
وربما بسبب هذا الشعور بالإخفاق وانسداد الأفق السياسي أمام الولايات المتحدة عكست التقارير الصحفية الواردة من واشنطن مزاجاً يطبعه الإحباط وخيبة الأمل، فضلاً عن ميل، بدا واضحاً لدى بعض الأوساط، إلى رفع أيديهم من المسألة العراقية تماماً تجلى في الدعاوى التي طالبت بنقل مسؤولية العراق إلى العراقيين بعدما وصل عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العراق إلى ما يقارب 3000 قتيل.
وتجد الولايات المتحدة نفسها اليوم عاجزة سياسياً لأسباب داخلية عن القيام بأية خطوة سوى السير على نهج ما هي عليه الآن ومواصلة ما تقوم به حالياً، رغم الأخطار المرتبطة بذلك مثل احتمال تعرض قواتها لهزيمة، أو حصار في إحدى القواعد يؤدي إلى خروجها بإذلال يذكرنا بخروج القوات الفرنسية من الهند الصينية عقب حصار «ديان بيان فو« الشهير الذي حاصرت فيه القوات الفيتنامية الجيش الفرنسي وأرغمته على الاستسلام.
ولكن في جميع الأحوال، فإنه مازال بمقدور الولايات المتحدة استباق الهزيمة في العراق عبر مبادرتها بإعلان نيتها في الخروج الفوري من بلاد الرافدين، بما في ذلك القواعد الدائمة وغيرها بترك السلطة للأمن العراقي ودعوة المؤسسات الدولية لتقديم العون.
الواقع الذي يعيشه الأميركان في العراق مؤشر واضح وجلي على أن عصر التفرد الأميركي انتهى، وأن الولايات المتحدة لن تستطيع بعد الآن احتلال أي دولة باسم ذريعة الإرهاب أو أي مصطلح، وهذا ما يمهد الطريق لقلب المعايير التي فرضت على الدول العربية والإسلامية باسم الشرق الوسط الجديد، ويؤسس لمرحلة جديدة يمكن من خلالها فرض تصورات جديدة تساهم في حل الصراع العربي الإسرائيلي.
benhadnal@yahoo.fr