لا تخلو التفاعلات الداخلية الفلسطينية من أنماط الخلاف والتنازع متفاوتة الشدة والحدة. وأمر طبيعي أن يشير متابعو الشأن الفلسطيني إلى هذه الأنماط في خطاباتهم السياسية والإعلامية كلما كانت هناك مناسبة تقتضي الإشارة.. مثل مقدمات دعوة الرئيس محمود عباس إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية المبكرة وتداعياتها الدرامية. لكن غير الطبيعي أن يتحول حديث الشقاقات والمشادات الفلسطينية إلى لازمة، تكررها خطابات بعض المتابعين وتلوكها بإفراط ومبالغة بمناسبة وبلا مناسبة، بدون الاستطراد إلى أسبابها أو محدداتها ولو من باب التجويد الإخباري أو المعرفي!.

في تقديرنا أن أصحاب هذه اللازمة، التي ربما صارت مملة، ليسوا سواء من حيث المنطلقات والأهداف.. فهناك أولاً، الغيورون على وحدة الصف الفلسطيني، الذين يودون جدياً وبأمانة لفت الانتباه إلى خطورة مشهد التنابذ على حاضر الفلسطينيين ومستقبل قضيتهم. وهناك ثانياً، الذين يضخمون حجم هذا المشهد بإلحاح، عامدين إلى التسميم السياسي والدعائي وإظهار أن الخلافات والتباغض والكراهية المتبادلة صفات لصيقة بالفلسطينيين، وصولاً لإقناع الخلق بأنهم ليسوا إزاء «شعب» يستحق الهوية الوطنية والعيش المشترك في دولة. وهناك ثالثا، من يلغون كثيراً حول المنازعات الفلسطينية، مستهدفين تبرير تخاذلهم عن نصرة الفلسطينيين بذريعة أنه لا يسعهم مساعدة شعب غير موحد وطنياً. وتصل المراءاة والنفاق بهؤلاء إلى حد الاضطلاع بتحركات شكلية، ظاهرها العطف (وحدة القوى الفلسطينية)، مع أن بعضهم مسؤول تاريخياً عن صناعة عوامل التباغض والفرقة وبثها عنوه في تضاعيف النظام السياسي الفلسطيني.

وهناك رابعاً، الذين يُبرزون التشاكس الفلسطيني بفجاجة من أبواب المحاكاة أو التعامل مع أخبارٍ مثيرة جاذبة للانتباه .. لكنهم لا يضمرون موقفاً مسبقاً من هذه المداخلات، وإن أساءت ثرثراتهم أحيانا دون قصد إلى المشهد الفلسطيني العام.

والحال أن أصحاب هذه المواقف من الأنصار والأعداء والمذبذبين المرائين والببغائيين، يضطلعون على غير اتفاق بصناعة أو تكوين صورة نمطية بالغة السوء للاجتماع السياسي الفلسطيني . صورة ربما عرضت الفلسطينيين عموماً كقطاعات سكانية منقسمة على نفسها اجتماعياً واقتصادياً، متناحرة سياسياً، مُوزعة الانتماءات والأهواء والولاءات بين بعض الدول المحيطة بهم أو البعيدة عنهم، ومع ذلك فإن هذه القطاعات تدعي أحقية تقرير المصير كشعب واحد متكامل المقومات في كنف دولة مستقلة!. ونحسب أنه لا شيء يخدم المنظور الصهيوني الإسرائيلي للفلسطينيين مثل صورة كهذه!.

بالمناسبة وكاستطراد لازم، فإن هذا المنظور يقوم على أن الفلسطينيين ليسوا الآن ولم يكونوا سابقاً وربما لن يصبحوا مستقبلاً شعباً جديراً باستحقاق دولة. بل هم فلول وأشتات ينتمون إلى القبائل والشعوب العربية وقد توافدوا على «أرض إسرائيل» في تواريخ مختلفة. لطالما اجتهدت الأدبيات الصهيونية والإسرائيلية في تفسير الشقاقات الفلسطينية بهذه الخلفية. وبالطبع لا تعبأ هذه الأدبيات بالإجابة عن هذا السؤال: لماذا ارتحلت هذه الفلول إلى «فلسطين» طالما أنها كانت، وفقاً للرواية الصهيونية ذاتها، أرضاً بلقعاً تزخر بالذئاب والثعابين ولا تُرجى فيها حياة رغدة إلى أن أحياها الصهاينة الأوائل والأواخر؟!.

لا يفطن الصهاينة والإسرائيليون إلى أنهم يناقضون أنفسهم بحبال كذب متهافت!، لذا نراهم يمضون بمنظورهم المعيب إلى آخر الشوط.. فيصنفون الفلسطينيين بحسب الجغرافيا والديانات والمذاهب والطوائف والنحل والقبائل والأيديولوجيات والتحالفات الخارجية. وكلما أطلت مشكلة فلسطينية داخلية، كالتي تجري الآن بين فتح وحماس، انبرت المصادر الإسرائيلية إلى تظهيرها بهذه التوصيفات المُعلبة التي تنفي عن أصحابها أهلية التعبير عن وجودهم في وطن ومواطنة خاصين بهم.

إن مقاربةً زائفة من هذا القبيل ربما تبدو مفهومة عندما تصدر عن مصادر صهيونية تبغي تحسين مواقعها في غمرة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لكن غير المفهوم وغير المنطقي أن تُستدرج دوائر أخرى أدرى بشعاب فلسطين وشعبها إلى معالجة شؤون الفلسطينيين بالمنطق ذاته. فتصريح عربي أو حتى فلسطيني المصدر، يغالي في استعراض المشكلات الفلسطينية الداخلية وتشظي الفلسطينيين وغياب برنامجٍ للوحدة الوطنية بين قواهم، بمعزل عن قراءة موضوعية وحيادية لأسباب هذه الظواهر، من شأنه تظهير الصورة النمطية المقبضة المظهرة أصلاً من لدن الخطاب الصهيوني الإسرائيلي.

يقيناً، سيجادل البعض هنا بأن الفلسطينيين ليسوا مبرأين من شبهة الاشتباكات والتناقضات البينية المريرة لأسباب ذاتية تضفي بعض الصدقية على هذه الصورة المشوهة. هذا صحيح، ولكن عرض هذه الصورة ينبغي أن يواكبه ويصحبه بيان بحيثياتها بعيدة الغور.. إن عدم استقلالية فلسطين وتمزق جغرافيتها وشعبها ونظم حياته جميعها لعشرات السنين، ومن ثم انكشاف المكونات السياسية الفلسطينية أمام ضغوط الآخرين من كل حدب وصوب،هو المحدد الجوهري- ولا نقول الوحيد- لهذه الحالة من صعوبة التوافق والاتساق الداخلي على جميع الصعد. لو نزعنا هذا المحدد، لو تصورنا أن الفلسطينيين يعيشون كخلق الله من الشعوب في دولةٍ مُؤطرةٍ بمؤسسات قارة، فلربما وقعنا على علائق وأنساق داخلية بينهم مغايرة تماماً لما نسمع ونرى.

بصيغة أخرى، إننا نفترض أنه ليس ثمة بالفلسطينيين عيبُ فِطري هيكلي أو فيروس خاص بهم من دون الشعوب الأخرى، كشعوب «الشرق الأوسط» مثلاً، يسوقهم سوقاً إلى حيث التنازع والتوتر المستمر. وأن طبيعة قضيتهم المشهود لها بالتعقيد غير المسبوق تقريباً، تعُد مسؤولة إلى حد كبير عما يصيب صيرورة حياتهم من مشاحنات،وذلك إلى درجة تفوق المعدلات المعتادة بين يدي الشعوب المستقلة. وعليه، لا يصح إن لم يكن من الافتئات بمكان كبير، استثناء الحالة الفلسطينية بجرٍعة زائدةٍ من التبكيت واللوم على أوضاعها الداخلية القلقة قبل وصولها إلى محطة الاستقلال والدولة.

ومع ذلك، فمن الإنصاف والموضوعية الحذر والتحذير من إلقاء كل أنماط التدافع الفلسطيني على مشجب الآخرين و«خصوصية القضية الوطنية». فأهل البيت يلامون بدورهم عن بعض ما يعكر صفو علاقاتهم الداخلية وصلاتهم بالآخرين. و المؤسف أن معاينة ما هو موضوعي خارج عن إرادة الفلسطينيين وتمييزه عما هو ذاتي يعود إليهم في صناعة ملامح صورتهم النمطية، أمر يجل عن إدراك الكثيرين.

كاتب وأكاديمي فلسطيني