في كل جانب من جوانب النشاط الإنساني، المادي والفكري، هنالك مصطلحات كثيرة لها معان محددة قد يكون بعضها عالمي المعنى أو قد يكون معناه مقتصراً على دلالة محلية يتفهمها ويتعامل بها أفراد مهما كثر عددهم فهم شريحة صغيرة من المجتمع. فالمصطلحات العلمية ذات طبيعة عالمية تعني الشيء نفسه في هذا المكان أو ذاك من العالم. وتزداد مساحة المصطلحات العالمية بشكل مستمر بفعل التقدم السريع في مجال المعلومات والاتصالات في عصر العولمة الذي نعيشه.
أما المصطلحات في المجال السياسي فهي أكثر خصوصية وأكثر التصاقا بالأجواء الثقافية التي تميز هذا المجتمع عن ذاك، رغم أن الكثير منها قد أصبح ذا طبيعة عالمية للأسباب نفسها.
يحوي المعجم السياسي الذي تداولته الساحات السياسية في العراق على مدى نصف القرن المنصرم الكثير من المصطلحات التي اعتاد القارئ أو المستمع على تقبلها ربما دون التساؤل عن مغزاها وعن أصولها. فعلى سبيل المثال لا الحصر يرد تعبير «القافلة تسير ولا يهمها نباح الكلاب» وهو مصطلح يطلق من قبل جهة معينة، قد تكون حزباً أو حكومة أو منظمة، رداً على ما تذكره جهة أو جهات معارضة أخرى في الداخل أو الخارج، من نقد أو تجريح لأهدافها أو سياساتها أو أساليبها. ولسنا هنا بصدد ذكر القوافل التي سارت غير آبهة بنباح الكلاب مجتازة طرقاً وعرة تسترشد بفنار خَفَتَ ضوؤه فأصبحت من غير هداية و ضاعت في غياهب المجهول ملحقة أضراراً بليغة ليس بممتلكات من سار في ركابها فقط، بل عرضت حياتهم وحياة شعوبهم للخطر، وعرضت بلدانهم لانتكاسات خطيرة جرت تداعياتها الويلات على مدى سنين طويلة.
أو يرد مصطلح «إلى مزبلة التاريخ» الذي يطلق عادة عندما يتم القضاء على فكرة أو أسلوب أو منهج أو نظرية أو حزب أو حكومة أو نظام سياسي أو شخص من قبل المنتصر الذي قد يكون على حق فيما ذهب إليه، أو قد يكون مجرد مغتصب منتفخ الأوداج دخل بدباباته تحت جنح الظلام متلصصاً السلطة من غيره فارضاً شرعية القوة الغاشمة وقوانينها.
ويُضفى على التأريخ في هذا المصطلح كينونة مكانية تسمح بوجود مكان فيه مخصص للقمامة كما هو الحال في أي بيت أو شارع أو مدينة تحاشياً للتلوث وتأهباً لرميها إلى مكان بعيد، فمزبلة التأريخ تبدو كمكان حافل بالقمامة القديمة والحديثة، ومع ذلك فهي من الأهمية بحيث لا يستطيع أن يستغني عنها من يكتب في التأريخ وفي الشؤون السياسية.
ولست أريد في هذا المجال فتح باب النقاش حول من يستحق الذهاب إلى مزبلة التأريخ، فهناك بكل تأكيد الكثيرون ممن لهم جدارة تامة تؤهلهم للسكن في ذلك المكان بعد أن سكنوا في الذاكرة المظلمة من تأريخ بلدانهم، وفي ذاكرة الرعب لأولئك الأفراد أو الجماعات الذين سحقتهم وطحنتهم أفكار ونظريات وسلوكيات هؤلاء الأفراد أو تلك الأنظمة.
وهناك الكثير من أمثال هذه المصطلحات، ولكنها أقل انتشارا، التي لها قعقعة خاصة تطرب البعض الذي يرى أن العمل السياسي يبيح استخدام جميع ما هو متاح من الوسائل لضمان الانتصار على الخصوم حتى لو تطلب ذلك فرض القطيعة التامة معهم أو ربما إزالتهم وتصفيتهم تماماً.
هذه المصطلحات من خصائص المعجم السياسي في الدول التي تشهد ساحاتها السياسية احتقانا شديداً، قد ينفجر في أي وقت وقد يؤدي انفجاره إلى مسارات مجهولة النتائج، يسعى كل طرف فيها إلى الإجهاز على الطرف الآخر، فهي مصطلحات تخلق أجواءً خاصة بها تبتعد بخصائصها كثيراً عن خصائص الفضاءات المتعارف عليها في العمل السياسي، وتتجاوز ذلك لتدخل في باب التجريح والشتم والإقصاء التام لأطراف الصراع الآخرين. وهي في الحقيقة أكثر من ذلك، فمع أنها إفرازات صراع متشنج غير حضاري فهي، في الوقت نفسه، مقدمات لصراعات ذات مستوى أعلى قد تصل إلى الصدامات المسلحة داخل المجتمع الواحد كما حصل في بلدان عديدة ومنها العراق في أكثر من مرة.
لا شك أن هذه المصطلحات لم تأت عفوياً، فهي نتائج مقدمات تقبع جذورها في ماض قد يكون بعيداً، إلا أن الحاضنة الثقافية كانت بارة وأمينة في حملها إلى الحاضر بثياب جديدة غطت الأسمال القديمة المتهرئة، فهي إحدى ترجمات ثقافة إلغاء الآخر، وتكريس أحادية النظرة وأحادية الموقف، الذي يحذف الألوان المختلفة من الطيف الجميل الحافل بالأفكار والآراء، ولا يبقى غير لون واحد شاحب يكسب الحياة رتابة مملة وينزع عنها قدرات التقدم ويأخذ منها رحيق الأمل.
إلا أن هناك مصطلحات أخرى، ليست أقل شيوعاً، وإن كانت ذات معان مختلفة كمصطلح «بالون اختبار» أو مصطلح «الكرة الآن في ملعب الطرف الآخر»، قد دخلت المعجم السياسي العراقي الذي تتداول مفرداته القوى التي اختارت الانخراط في العملية السياسية الجارية في العراق في السنوات الأخيرة بعد سقوط النظام السابق، وهي مصطلحات من نوع آخر، تحولت فيها نبرة الإقصاء المتشنجة للآخر إلى نبرة أخرى يغلب عليها روح المنافسة الرياضية.
فبالون الاختبار هو جس نبض الطرف الآخر والتعرف على وجهة تحركه والتحسب لذلك، وليس التآمر عليه ومفاجأته ليلاً بالأصفاد وإدخاله السجن، ومن هذا المنطلق فهو تعبير على انتقال في محتويات المعجم السياسي وإغنائه بمصطلحات جديدة، ونقل العمل والنشاط السياسي من المواجهة المباشرة المتشنجة إلى طور آخر فيه قدر من الدهاء الضروري في العمل السياسي. فكل طرف يختبر قوة وموقف الطرف الآخر عبر أساليب جديدة متنوعة تكثر فيها المناورات التي غالباً ما تستعمل في العمل السياسي السلمي والديمقراطي، إلا أنها مقبولة ولا تلحق ضرراً مادياً أو أدبياً بالطرف الآخر، وتبقي التباين في وجهات النظر في مستويات بعيدة عن الصراع.
أما الكرة التي تتقاذفها الأقدام لتستقر في أرض هذا الفريق أو أرض الفريق الآخر، وسط صفارة حكم المباراة وحركة الرايات الصغيرة في أيدي مراقبي الخطوط على جانبي الملعب، فهي التصريحات والبيانات التي يطلقها هذا الفريق أو ذاك ويراقبها الجمهور مستحسناً أو مستهجناً، مسجلاً بذلك نقاطاً في صالح هذا أو ذاك. فالرمية البارعة للكرة قد لا يتمكن الطرف الآخر من الرد عليها بالكفاءة التي رميت بها مما يعرض هدفه إلى الاختراق، وهو في حالة العمل السياسي يعرض موقفه السياسي للضعف. ويبدو أن استعارة هذا المصطلح من أدبيات اللعبة الأكثر شعبية في العالم فيه رغبة، قد تكون غير واعية، في بث الروح الرياضية في العمل السياسي، فغالباً ما يُقدم الطرف الخاسر في كرة القدم على مصافحة غريمه وتقديم التهاني له بالفوز ومبادلة قمصانه، وهذا في الحقيقة ما يفعله الساسة الغربيون في نهاية الجولات الانتخابية.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae