لابد وان السؤال المطروح الآن بالنسبة للمهتمين بتركيا بعد أن جمد الاتحاد الأوروبي مفاوضاته معها حول انضمامها إليه، هو ماذا بعد هذا التجميد؟. ففي الوقت الذي يرى فيه كثير من المحللين أنها سوف تستجيب بالتدريج لشروط الاتحاد الخاصة بقبرص ودليلهم على ذلك أنها استجابت جزئياً لبعض هذه الشروط قبل قرار التجميد الذي صدر الأسبوع الماضي. ولكن لابد وان يكون هناك احتمال آخر بديل وهو يتعلق بماذا سوف يحدث إذا لم تستجب أو إذا أصر الاتحاد على استبعاد تركيا استنادا إلى أية أسباب منطقية أو غير منطقية.
بداية لابد من الإشارة إلى أن تركيا حدثت فيها العديد من التغيرات الثقافية والسياسية من اجل أن تكون مهيأة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولسنا نقصد هنا التعديلات القانونية التي أدخلتها على نظامها السياسي من اجل أن تتكيف مع المعايير الأوروبية والتي يطلق عليها معايير كوبنهاجن، وإنما نقصد التسامح الملحوظ إزاء التيار الديني الذي أعطى الفرصة لحزب العدالة والتنمية لكي يصبح هو الحزب الحاكم. كذلك أيضا التسامح النسبي إزاء أكراد تركيا. والمتابع للموقف التركي الرسمي، خاصة موقف المؤسسة العسكرية وهي الأقوى في تركيا، إزاء هذه القضايا سوف يدرك أن تغييرا كبيرا قد حدث في المزاج التركي.
وهذا الأمر يعود إلى الرغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهناك من المراقبين من رأى أن السماح لحزب العدالة والتنمية بالحكم على خلاف ما حدث مع سابقه وهو حزب الفضيلة كان بهدف تأكيد تركيا لأوروبا أنها قد أصبحت دولة ديمقراطية تعددية حقيقية. كذلك تم التركيز على النموذج التركي في حكم الحزب الإسلامي على اعتبار انه يقترب من نموذج الأحزاب المسيحية الديمقراطية في العديد من الدول الأوروبية.
وهناك نقطتان جديرتان بالإشارة قبل الدخول إلى الموضوع الأساسي المتعلق بالإجابة عن السؤال الخاص بالسيناريوهات التركية في حال عدم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. النقطة الأولى هي انه على الرغم من أن الناخب التركي قد اختار حزبا ذا جذور إسلامية لكي يصبح هو الأكبر في البرلمان ثم عاد بعد ذلك ليعطي نفس الحزب العدد الأكبر من المقاعد في المجالس البلدية والمحلية، إلا أن ذلك لا يعني أن أزمة الهوية التركية قد حسمت لصالح الهوية الإسلامية.
فكافة المؤشرات تؤكد أن أزمة الهوية التركية قد حسمت لصالح الهوية الأوروبية والذي لعب الدور الأكبر في هذا الأمر هو قرار الاتحاد الأوروبي بتحديد موعد لبدء المفاوضات مع تركيا حول الانضمام إليه وهي المفاوضات التي بدأت بالفعل ولم تنته بعد. وهذا الأمر يعني أن عدم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سوف يجدد أزمة الهوية في تركيا مرة أخرى وهو ما قد يسبب أزمات سياسية على النحو الذي عاشت فيه تركيا من عام 1994 إلى عام 2001.
ولكن أزمة الهوية هذه المرة قد تكون أكثر حدة وقد يصاحبها أحداث عنف إذا ما وضعنا في اعتبارنا أن تركيا شهدت خلال العامين الأخيرين أحداث عنف لأسباب دينية، بعدما كانت هذه الأحداث تقتصر في السابق فقط على التنظيمات اليسارية المتطرفة. وهنا ننوه أيضا إلى ما شهدته مدن تركية من اشتباكات بين اليمين القومي المتطرف والتيار الديني المتطرف أيضا وهذه بروفات لعرض آخر أكثر حدة يمكن أن يحدث في حال تجدد أزمة الهوية في تركيا.
أما النقطة الثانية التي المفيد الإشارة إليها فهي أن استطلاعات الرأي التي أجريت في تركيا في الفترة السابقة أكدت الرؤية السلبية للمواطن التركي إزاء الاتحاد الأوروبي وفي هذا الصدد نشير إلى أن، آخر هذه الاستطلاعات اظهر أن أكثر من 70 في المئة من الأتراك يعارضون انضمام تركيا إلى الاتحاد بعد مواقف الاتحاد ومواقف بعض دوله المعادية للمصالح الوطنية والقومية لتركيا ومنها قرار البرلمان الأوروبي والبرلمان الفرنسي في ما يتعلق بالمجازر الأرمينية ومن ثم حديث الاتحاد الأوروبي باستمرار عن حقوق الأقليات القومية والدينية والمذهبية والمقصود بها حقوق الأكراد والأرمن والروم والعلويين.
وهناك من المراقبين من يرى أن أنقرة سترتاح لمثل هذا الموقف الأوروبي الذي قد يقرر تعليق محادثات العضوية إذ سيستغل رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي ذلك لاتخاذ مواقف أكثر تشددا ضد الاتحاد ليزيد ذلك من شعبيته مع اقتراب موعد انتخابات رئاسة الجمهورية في ابريل المقبل ثم الانتخابات البرلمانية في نوفمبر المقبل وهذا التحليل يوضح إلى أي مدى وصلت درجة عداء المواطن التركي لأوروبا.
وإذا كنا على الصعيد السياسي توقعنا أن تنشب أزمات سياسة على خلفية أزمة الهوية فان التوقع الآخر الذي يجب الإشارة إليه هو أن يتراجع تسامح الجيش التركي إزاء أي من التيار الديني أو المسألة الكردية وعودة تدخل الجيش السافر في العملية السياسية مرة أخرى، بما يعني في مجمله عودة حالة عدم الاستقرار السياسي إلى الساحة التركية مرة أخرى ولكن في المرات السابقة كان هناك ضوء في آخر النفق وهو حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أما هذه المرة فلا يوجد أي دافع، الأمر الذي يعني أن وطأة الأزمة سوف تكون عنيفة مقارنة بالأزمات السابقة.
وهذا الخيار أي عدم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي سوف يؤثر سلبيا على الأحزاب الليبرالية وأيضا على حزب العدالة والتنمية الذي لم يؤثر اختيار الناخب التركي له في تحقيق حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني انه سوف يتأثر سلبيا وان كان يحاول من خلال حدة خطابه تجنب هذا الأمر على النحو الذي اشرنا إليه من قبل.
وبالتالي فان المستفيد الأول في هذا الوضع لن يكون العدالة والتنمية وإنما كافة الأحزاب القومية المتطرفة في تركيا وهي التي تنادي باعتماد الهوية الطورانية الخالصة، وكافة التحليلات التي تخرج من تركيا تقول إن المواطن العادي في تركيا أصبح يتبنى نفس مواقف هذه الأحزاب وهي متعددة ومختلفة الدرجات في الإيمان بالهوية الطورانية ومنها من هو اقرب إلى الفاشية.
وفيما يتعلق بما يمكن أن يؤثر به هذا الخيار، أي عدم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، على السياسة الإقليمية لتركيا، لابد من الإشارة إلى نقطة أساسية وهي أن هناك ثلاث دوائر لتحرك السياسة الإقليمية لتركيا، وأول هذه الدوائر هي الدائرة الأوروبية والمؤكد أن عدم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي سوف يؤدي إلى تراجع اهتمام تركيا بهذه الدائرة والبحث عن خيارات أخرى.
وفي هذه الحالة سوف ينصب القدر الأكبر من الاهتمام على الدائرتين الأخريين وهما الدائرة شرق الأوسطية والثالثة يطلق عليها مسمى العالم التركي ويقصد بها الدول المحيطة بتركيا سواء في آسيا الوسطى أو أوروبا الشرقية وتتميز بوجود سكان من أصل طوراني أو أتراك العرق والهوية سواء أكانوا يشكلون أكثرية هذه الدول أم أنهم مجرد أقليات عرقية بها.
وهذه الدول كثيرة وهي كانت محلا لاهتمام تركيا في الفترة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي السابق ومازالت تركيا لديها آليات للاهتمام بهذه الدائرة. وهناك بعض الأحزاب القومية التركية تقوم برامجها على عودة هذه الشعوب إلى وطنها الأم من خلال اتحاد يجمعها بتركيا. وإذا كنا قد توقعنا أن تكتسب الأحزاب القومية زخما في أعقاب تأكد المواطن التركي من استحالة تحقق حلمه في الانضمام للاتحاد الأوروبي فان النتيجة الأولية لهذا الزخم على الصعيد الإقليمي سوف تكون إحياء الدعوة للعالم التركي الموحد وسوف يلقي هذا الأمر بظلاله على الصراع من اجل هوية الدولة التركية الذي سيتجدد هو الآخر حسبما ذكرنا من قبل.
كاتب مصري
