السلاح النووي على وشك أن يتحول من مرحلة الردع إلى مرحلة الصدع، هكذا يرى الكثير من المراقبين ورجال السياسة، وهذا ما يكشف عنه مشهد احتضار معاهدتي «الحد من انتشار السلاح النووي» و«حظر التجارب النووية»، هاتان المعاهدتان اللتان حظيتا بأكبر عدد من التوقيعات والتصديقات من دول العالم، وتحظيان في نفس الوقت بأكبر عدد من الخروقات، وآخرهما في الأسبوع الماضي بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع سيرجي إيفانوف لأكبر موقع للتجارب النووية الروسية والمسمى «الموقع 700» للتحقق من صلاحيته لإجراء تجارب جديدة بعد نحو عقد ونصف من توقف التجارب النووية الروسية.
صرح وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف أثناء زيارته للموقع 700 للتجارب النووية التابع لوزارة الدفاع بأن الهدف من زيارته للموقع هو التأكد من صلاحيته لاستئناف التجارب النووية، وقال إيفانوف «إن روسيا ملتزمة بمعاهدة حظر التجارب النووية، ولكن هذا لا يعني أننا سنتوقف عن تنمية قدراتنا النووية العسكرية، وسوف نجري تجارب جديدة غير حية، أي بدون استخدام مواد نووية، وهذا ضروري لاختبار صلاحية سلاحنا النووي»، في نفس الوقت صرح الجنرال فلاديمير ديفوركين رئيس معهد البحث النووي في وزارة الدفاع بأن روسيا بحاجة قوية لإجراء تجارب نووية حية وكاملة وإلا ستفقد ترسانتها النووية فاعليتها وصلاحيتها بمرور الزمن.
وقال ديفوركين «لن نبدأ تجاربنا النووية إلا بعد أن تبدأ واشنطن تجاربها والتي نتوقعها قريبا»، وعلى ما يبدو فإن زيارة وزير الدفاع الروسي إيفانوف لموقع التجارب النووية لها علاقة أساسية بالخلاف بين موسكو وواشنطن حول نية البنتاغون الأميركي نشر عناصر برنامج الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ في أوروبا والشرق الأقصى، خاصة أن المعلومات تفيد بأن هناك مناقشات جرت بالفعل في وزارة الدفاع حول استئناف روسيا لتجاربها النووية من جديد كضرورة للتأكد من صلاحية أسلحتها النووية الموجودة في المخازن.
معاهدة حظر التجارب النووية اعتمدتها الأمم المتحدة للتوقيع عام 1996، وصادقت عليها حتى الآن 161 دولة، ومع هذا لم تدخل حيز التنفيذ حيث تشترط المعاهدة أن يصدق عليها أربع وأربعون دولة تملك منشآت نووية، وحتى الآن لم يصدق عليها من هذه الدول سوى 26 دولة منها روسيا التي صدقت عليها في أبريل عام 2000، بينما الولايات المتحدة الأميركية التي وقعت على المعاهدة فقط عام 2002 مازال الكونغرس يرفض التصديق عليها حتى الآن، في حين أن الولايات المتحدة كانت قد أوقفت بالفعل تجاربها النووية الحية الميدانية منذ عام 1992، وسبقتها في ذلك بريطانيا وروسيا عام 1990.
ولكن على ما يبدو أن المعاهدات الدولية مثلها مثل كل التشريعات يمكن التحايل عليها بشكل أو بآخر، ولقد خدعت واشنطن العالم عندما ادعت أنها أوقفت تجاربها النووية، وهي بالفعل أوقفت التجارب الميدانية، لكنها ذهبت وطورت تجاربها النووية المعملية داخل المختبرات على أجهزة كمبيوتر عملاقة تعطي تقديرات لتفاعلات وتفجيرات نووية افتراضية مطابقة للتجارب الميدانية الحية في تحديد حجم وكتلة ومساحة التفجير، وبناء على هذه التجارب المعملية ذهبت تطور سلاحها النووي.
معاهدة حظر التجارب النووية لم تناقش التجارب النووية المعملية التي تجرى على أجهزة الكمبيوتر داخل المختبرات، وهذا في حد ذاته خلل كبير في المعاهدة، لأن الهدف من حظر التجارب النووية هو الحد من تطوير الأسلحة النووية وليس مجرد حظر التجارب، والتطوير ممكن أن يتم مع التجارب المعملية مثلها مثل التجارب الحية، ولهذا يمكن القول ان كلتا المعاهدتين حول حظر التجارب وحول الحد من انتشار السلاح النووي فقدتا فاعليتهما وأصبحتا مجرد حبر على ورق، والمجتمع الدولي بحاجة لمعاهدات جديدة في هذا المجال تناسب التطور الكبير في تصنيع وتطوير السلاح النووي.
صحيفة صنداي تايمز البريطانية كتبت في مارس الماضي تقول «إن بريطانيا بدأت العمل في مشروع سري لتطوير أسلحة نووية جديدة بالتعاون مع الولايات المتحدة، وقد بدأ تنفيذ هذا المشروع بالفعل بعد إعادة انتخاب توني بلير رئيسا للوزراء في مايو 2005، والتجارب على هذا المشروع سوف تتم في المعامل حتى لا تشكل خرقا للمعاهدة الدولية».
وليس فقط بريطانيا التي تطور مع واشنطن سلاحها النووي بل هناك دول أخرى مثل الصين وكوريا الشمالية واللتين وقعتا وصدقتا على المعاهدتين، كوريا الشمالية تجري تجارب نووية حية لتطوير أسلحة نووية، وتجري تجارب حية على أسلحة استراتيجية مثل الصواريخ بعيدة المدى والتي يشملها الحظر في معاهدتي حظر التجارب والحد من انتشار السلاح النووي، كما أجرت الصين تجارب نووية حديثة ومتطورة على قنابل النيوترون والتي تفوق في قوتها القنابل النووية.
وكانت واشنطن قد اتهمت الصين عام 2000 بإجراء هذه التجارب وأنكرت بكين ذلك، إلا أنها عادت في مطلع العام الحالي لتعلن عن امتلاكها بالفعل لقنابل النيوترون، وحجة الصين في ذلك أن البرنامج الأميركي للدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ يدفعها للتراجع عن التزاماتها بالمعاهدات الدولية للحد من انتشار السلاح النووي ويدفعها أيضا لتطوير السلاح النووي الهجومي.
وخاصة أن واشنطن أعلنت أن برنامجها ستكون له قواعد في شرق آسيا بالقرب من شواطئ تايوان، مما جعل الصين تتأكد من أنها مستهدفة من قبل هذا البرنامج، رئيس وفد الصين في مؤتمر فيينا لمناقشة معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي يقول «لا يمكن لنا أن نتوقف عن تطوير سلاحنا النووي في الوقت الذي يزداد فيه عدد الدول التي تملك هذا السلاح وفي الوقت الذي لم تقدم فيه واشنطن للدول الأخرى أية ضمانات أمنية حول برنامج دفاعها الصاروخي».
الولايات المتحدة بعد تحايلها على معاهدة حظر التجارب النووية باستخدامها التجارب المعملية في المختبرات ذهبت تتحايل أيضا على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي وأيضا على معاهدتي تقليص السلاح النووي ستارت 1 و2 اللتين وقعتهما مع روسيا.
وقامت سرا بتوزيع المئات من رؤوسها النووية في بعض الدول الأوروبية التي انضمت مؤخرا لحلف شمال الأطلسي، الأمر الذي لا يجعل أحدا يثق في التزام واشنطن بأية تعهدات دولية، ويجعل الآخرين أيضا يشكون في نواياها ويستعدون لمواجهتها، وكان البنتاغون الأميركي قد تقدم بطلب للكونغرس باعتماد خمسة مليارات من الدولارات في العام الحالي لتطوير الصواريخ النووية مدعيا أن روسيا طورت صواريخها النووية في العامين الماضيين بشكل كبير.
وقد كتب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر مقالا في صحيفة واشنطن بوست يقول فيه «إن العالم يندفع نحو الكارثة وقد اقترب الوقت الذي يستحيل فيه وقف انتشار السلاح النووي» واتهم كارتر الولايات المتحدة بتطوير أسلحتها النووية بالشكل الذي أصبح يهدد أمن الدول الأخرى، وأنه لا فائدة من المعاهدات الدولية إذا لم تلتزم بها الدولتان الكبيرتان روسيا وأميركا.
كاتب روسي