في سنة 2008 تشهد موسكو حملة جديدة للانتخابات الرئاسية.. ورغم أن الانتخابات أصبحت، أو تكاد تصبح، أمرا معتادا في كثير من أقطار المعمورة. إلا أن العاصمة الروسية تستعد منذ الآن (مطلع عام 2007) لمثل هذه الانتخابات بعد أن أمضت.
كما هو معروف، أكثر من 70 عاما في ظل حكم شمولي يقوده حزب شيوعي واحد سيطر ابّانها على كل مرافق ومسالك الحياة والسياسة في ذلك البلد الذي يغطي بجناحيه، عبر جبال الأورال بقاعا من شرقي أوروبا وأصقاعا من شمال غربي القارة الآسيوية، دع عنك عقودا بل وقرونا من الزمن شهدت فيها روسيا حكم الأباطرة والقياصرة التي لم تكن لتعرف بداهة - حكاية الانتخابات أو آليات التصويت والاقتراع لا من قريب ولا من بعيد.
من هنا تسود العاصمة الروسية حوارات وتنصب على ساحاتها بورصة للمراهنات والتوقعات السياسية لأن الانتخابات الرئاسية المقبلة كفيلة، كما يقول مراقبو الحالة الروسية، بتشكيل أو تحديد مسار السياسة في موسكو سواء على الصعيد الداخلي.
ومن ثم على صعيد السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، فضلا عن الدور الإقليمي أو القاريّ الذي لابد وأن تضطلع موسكو في الفترة القادمة وهو دور نهتم به لأنه كفيل بأن يؤثر، بحكم التماسّ الجغرافي وأيضا بحكم تشابك المصالح، على مجريات السياسة في منطقة المشرق من وطننا العربي الكبير.
من هنا تأتي مطالبتنا بالعمل على فهم مجريات الأمور عند الروس وخاصة أن عام 2007 الذي بات على الأبواب سيكون فترة القرارات الأهم التي سوف يتم اتخاذها لتحديد شكل ونوعية الرئاسة في الكرملين ورسم مسارات الديمقراطية في البرلمان (مجلس الدوما) ومن ثم يكون تأكيدها أو المصادقة عليها في عام 2008.
في هذا الإطار يلفت أنظارنا أن رئيس روسيا الحالي السيد فلاديمير بوتين ما برح يعبئ الجهود ويحشد الأنصار لإنشاء نظام حزبي يطمح إلى أن يقوده حزب قوي فاعل ومؤثر بل بالغ التأثير يحمل لافتة «روسيا المتحدة».
وهم يطرحون من أجل ذلك شعارات تقصد إلى طمأنة الفرقاء (وهم المنافسون في الغرب بأوروبا وأميركا ومؤداها أن الحزب المرتقب سوف يسهر على تأكيد وتثبيت النهج الرأسمالي في روسيا ومن ثم تكون الدعوة إلى تأييد هذه الآلية الحزبية الجديدة التي يطرحونها وكأنها ضمان عقائدي أو هي وثيقة تأمين سياسية ضد أي عودة محتملة أو حتى مستبعدة إلى النهج الماركسي أو الطروحات الشيوعية التي شهدتها روسيا - كما المحنا - بين عامي 1917 و1991.
في هذا السياق يكتب المحلل السياسي ديمتري ترينن من موسكو مؤكدا أن السيد بوتين ورفاقه في دوائر الكرملين يودون احتذاء تجربة حزب سياسي قوي ومتشعب في تلافيف الحياة السياسية وحافل بالكوادر القادرة على الإمساك بدفة الحكم ومقاليد الإدارة وذلك على نموذج الحزب الجمهوري في المكسيك أو الحزب الديمقراطي في اليابان وكلاهما ظل ممسكا بمقاليد الأمور في كل من مكسيكو وطوكيو أو بالأدق قابضا على أعنّتها على مدى عقود طويلة من القرن العشرين.
بيد أن مشكلة التنظيم الحزبي الجديد في موسكو أنه يفتقر إلى أيديولوجية سياسية متبلورة أو إلى برامج محددة ومقنعة بخلاف ما يصدر عن مؤسسيه على فترات متباعدة أو حتى متقاربة من تعليقات على أداء الإدارات الحاكمة.. وبخلاف أنه يرفع شعارات الوطنية والانتماء والإخلاص المتحمس الشديد إلى «امنا روسيا المقدسة».
وهي شعارات قد تلهب الأكف بالتصفيق أو قد تشق الحناجر من حمية الهتاف ولكنها بحاجة إلى تعميق فكري واجتهاد عقائدي وكوادر تجمع بين الكفاءة والدينامية بحيث تملأ الفراغ الذي سوف ينشأ بعد غياب السيد بوتين وصفوة معاونيه عن الساحة أو بالتحديد عن المواقع القيادية الأولى في قصر الكرملين.
صحيح أن حزب «روسيا المتحدة» سوف يفوز بأغلبية مريحة في انتخابات الدوما البرلمانية المقرر إجراؤها في ديسمبر عام 2007، لكن الصحيح أيضا أنه سيظل في يد السيد بوتين قرار اختيار خليفته لقيادة روسيا وتلك عملية من المفروض أن تتم بدورها ولكن في سياق عام 2007، نفسه.
والحاصل أن الرئيس الروسي طرح على شعبه ما يمكن أن نصفه حسب تقاليد التوظيف المعروفة بأنه «قائمة مختصرة» من مرشحي الخلافة وتحوي اسمين يحملان لقب نائب رئيس الوزراء أولهما هو السيد سيرغي إيفانوف والثاني هو السيد ديمتري مدفديف. لم يقتصر الأمر على مجرد التعيين والتفضيل بل بادر رجل الكرملين الأول إلى تزويد كل منهما بما يصفه الكاتب ديمتري ترينن الذي أشرنا إليه بأنه «برامج انتخابية» بمعنى أن يكون لدى كل منهما - في حالة ترشيحه للمنصب الروسي الأول ما يقدمه إلى جموع الناخبين.
ففي حالة إيفانوف هناك مشاريع تحديث المنظومة الدفاعية الروسية وتطوير التكنولوجيا (بكل أهميتها الحساسة بالنسبة لمنافسة روسيا للغرب المتقدم) أما في حالة مدفديف فالمشاريع تتعلق بالشأن الداخلي والهموم الشعبية وتتمثل في خطط للنهوض بخدمات ومرافق الصحة والتعليم والإسكان والزراعة وما إليها.
ومع هذا كله فهناك أيضا من مراقبي الشأن الرئاسي الروسي من يراهن على أن بوتين مازال يفكر مليا في خليفة أو خلفاء آخرين حيث ان كلاّ من المرشحين سابقي الذكر لم يحز رضاءه كاملا لا من حيث القدرات ولا من حيث الشعبية الكافية.
بل تمضي بورصة التوقعات (تقرير الايكونومست البريطانية عن أحوال العالم في سنة 2007) ما يقول إن السيد بوتين ما برح يفتش لنفسه عن موقع يكفل له شخصيا دورا بالغ الفعالية، في شؤون بلاده حتى بعد انتخابات عام 2008 التي سوف تشهد - كما هو مقرر ديمقراطيا - تخليه عن منصب صاحب الفخامة رئيس الاتحاد الروسي. إنه دور الضامن أو دور القوة الكامنة من خلف العرش كما يقال في مصطلح العلوم السياسية.
من ناحية أخرى تشير دراسات رصينة نشرت مؤخرا في نفس الموضوع إلى أن بوتين بكل سلطاته وبكل منجزاته في مجال إعادة روسيا إلى دائرة الضوء التي كانت قد انحسرت عنها بعد كل من غورباتشوف ويلتسين - لا يتمتع حاليا بكلمة نافذة بشكل مطلق، بمعنى أن ثمة دوائر نفوذ - هل نقول «مراكز قُوى» بالغة التأثير في هندسة وصنع القرار الروسي عند أعلى المستويات.
في هذا الإطار ينشر الأستاذ أيان بريمر الكاتب في الهيرالدتربيون الأميركية وصامويل شاراب الباحث في جامعة أكسفورد دراسة مشتركة بعنوان «السيلوفيكي في روسيا - بوتين» (فصلية واشنطن كوارترلي السياسية عدد شتاء 2006 ومطلع 2007).
مصطلح سيلوفيكي مشتق من عبارة «سيلوفي ستركتوري» التي تفيد في اللغة الروسية معنى «هياكل القوة» وتلك إشارة تصدق بدورها على دوائر القوات المسلحة وهيئات إنفاذ القوانين (الشرطة وما إليها) ووكالات الاستخبارات والمعلومات التي مازالت تصوغ وتدير بين أيديها مقاليد السلطة ومواقع النفوذ في الدولة.
. ومن ثم فإن تعبير سيلوفيكي يشير إلى الشخص النافذ أو الموقع المؤثر في هندسة القرار وتصنيع السياسات وصنع الاستراتيجيات التي تحل وتربط كما قد يقال ومن ثم تخلّف آثارها على توجيه القضايا وأساليب معالجتها وقرارات حسمها في هذا الاتجاه أو ذاك.
ويزيد الأمر أهمية وربما خطرا وخطورة أن عددا كبيرا من أفراد هذه القوى والدوائر المؤثرة ينتمون إلى مدينة بطرسبورغ وهي العاصمة الكلاسيكية العريقة منذ أيام القياصرة التي سبقت موسكو والتي ينتمي إليها بصدفة تاريخية لها دلالتها السيد فلاديمير بوتين شخصيا وهو الذي لم يقصّر في ترميم صروحها والتذكير بأمجادها واستضافة أكثر من قمة دولية بين ربوعها.. ومن ثم فقد بلغ الأمر أن تطلق الدراسة الأميركية - الإنجليزية التي نحيل إليها في هذه السطور على جماعة سيلوفيكي وصف العصبة أو العشيرة القادمة من بطرسبورغ..
في إشارة لا تخفى إلى ترابط المصائر وعمق الوشائج وشراكة المصالح التي تجمع بين هذه الدوائر من صانعي القرار حول الرئيس بوتين.. ما بين وزير العدل أوستينوف إلى مسؤول مكافحة التهريب شيركيسوف (قيصر المخدرات كما يسمونه في موسكو) فضلا عن مسؤولي الدفاع ومسؤول الخدمات الاجتماعية الذين ألمحنا إليهما فيما سبق من سطور.
وإذا كان أهل روسيا أدرى بمصالحهم، فإن ثمة ملاحظات أبدتها الدراسة التي بين أيدينا تحض على أهمية متابعة هذا الشأن الروسي وبالذات فيما يتعلق بمجموعة السيلوفيكي إياها وقد رسمت لها الدراسة صورة نراها أقرب إلى نهج «المحافظين الجدد» في الولايات المتحدة.
الدراسة تؤكد أن هذه النخبة الروسية جاءت لتبقى بمعنى يتواصل نفوذها في قرارات الكرملين الرئاسي لفترة قادمة من الزمن ثم تسجل الدراسة في هذا المضمار 5 ملاحظات على هذه الجماعة.. ولابد وأن نتوقف عند الملاحظة الأخيرة منها بقدر من التأمل والتدبر من منظورنا العربي الإسلامي. لماذا؟ لأن الملاحظة تتعلق بالنهج الذي تتبعه جماعة السيلوفيكي الروسية وهو نهج يوصف بأنه:
«متعصب قوميا.. كاره للأجانب، ويطرح أفكارا لغلاة المحافظين.. ويتقارب مع عناصر تدعو إلى تعزيز دور الكنيسة في الحياة العامة والى فرض قيود صارمة على استقبال المهاجرين أو الوافدين. عند هذه النقطة بالذات تضيف الدراسة قائلة: مثل هذه السياسات يمكن أن تثير ردود فعل سلبية إزاء قطاعات من مسلمي روسيا البالغ عددهم 20 مليون نسمة.
كاتب مصري