حرب عربية أخرى تندلع مع الجوار بينما العالم العربي بأنظمته ومؤسساته الرسمية غير مبال بما يحدث تاركا اليد الخارجية تعبث في الجسد العربي، تمزق أوصاله، وتنتهك حرماته.

هذه المرة في الصومال.. ذلك البلد اليتيم الذي تركناه في حرب أهلية طاحنة منذ عام 1991.وتركنا أبناءه للفقر والعوز والمجاعات واللجوء.. ذلك أن الدول العربية المركزية التي كانت تلعب دور الأب للنظام الرسمي العربي استقالت من وظيفتها.. ومن ثم أصبح وجودها في قلب الجغرافيا العربية مشابها لعدمه.

يعيد الصراع الذي اشتعل بين الصومال وإثيوبيا فكرة الحروب بالوكالة التي ظلت المنطق السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي أوائل التسعينات، كما أنه يمثل نموذجا للتصادم بين الثقافات والحضارات والأعراق.. فالإسلام في مواجهة المسيحية، والعروبة في مواجهة الأفرقة، والقومية الصومالية في مواجهة قومية التيجراي. وفوق كل هذا وذاك قوة دولية طاغية تتمثل في الولايات المتحدة تدفع نظامي إثيوبيا وأوغندا للدخول في حرب، حيث تعتبر واشنطن أن القرن الإفريقي يمثل ساحة أخرى لحربها العالمية ضد الإرهاب.

ووفقا لصحف غربية فإن هناك خطة مشتركة لإثيوبيا وأوغندا تهدف إلى تقويض المحاكم الإسلامية، ولهذا الغرض قررتا إرسال عناصر سريعة الحركة لتقاتل المحاكم داخل الأراضي الصومالية، كما أن هناك شركات أمنية أميركية وبريطانية ليست بعيدة عن أجهزة المخابرات في واشنطن ولندن تعمل لذات الغرض.

ما يدهش في الأمر أن العالم الغربي والجوار لم تستفزه حرب أهلية مستعرة منذ 15 عاما واستفزه تنظيم صومالي أراد بسط سيطرته على البلاد وإنهاء هذه الحرب العبثية، وكان الاستثناء من هذا الإهمال المريب تدخلا مريبا تمثل في عملية إعادة الأمل التي تمت بقيادة أميركية في النصف الأول من التسعينات، وسبب الريبة ليس الطمع الأميركي في السيطرة على الموانئ الاستراتيجية الصومالية.

ولا ممارسات الجنود الأميركيين والفرنسيين البشعة الذين توجوا جرائمهم باغتصاب الصوماليات في وضح النهار ووسط الطرق العامة، بل لأن الجيوش الأجنبية التي دخلت الصومال تحت قيادة أممية جلبت معها جيوشا أخرى من المبشرين المسيحيين انتشروا في مخيمات النزوح واللجوء ونجحوا في تنصير نحو 170 ألف صومالي حصل جزء منهم على هجرة إلى دول غربية على رأسها كندا وايطاليا.. واكتفى الجزء الآخر بالطعام مقابل تغيير العقيدة الدينية.

وربما كانت عمليات التنصير الواسعة هي الدافع لنشوء المحاكم التي تتيح شعاراتها الإسلامية ذريعة جديدة لتدخل الغرب، وربما أيضا هي الدافع لدعوات المحاكم للمقاتلين المسلمين من شتى البقاع بالتوجه إلى الصومال لقتال الغرب المعادي الذي يختبئ وراء الشركات الأمنية ووراء النظام الإثيوبي.

ما يحدث في الصومال بحاجة إلى تدخل سياسي عربي على أعلى مستوى وليس تدخلا إغاثيا لإطعام الجوعى ونجدة المنكوبين.. تدخل فوري يطفئ النار قبل أن تستعر وتقضي على الأخضر واليابس في الصومال، وليس تدخلا آجلا يثبت الحضور أمام الكاميرات ويبرئ الذمة أمام الجماهير.

إطفاء الحروب إن لم يحدث في الوقت المناسب ينقلب إلى تواطؤ على إشعالها، والصمت على ما يجري لا يدفع ثمنه إلا العرب أنفسهم من دماء أبنائهم وأعراضهم وحرماتهم.. واعتقد أن العالم العربي ليس بحاجة إلى ناصح، فتجربة العراق لا تزال حية تمنع أصحاب الضمائر اليقظة من النوم.

magdishendi@hotmail.com