استطاعت دولة الإمارات أن تجتاز أولى مراحل المخاض الانتخابي بنجاح ملفت سواء على مستوى التصويت أو حتى على صعيد التفاعل الشعبي الذي كان متوازيا مع الحدث رغم حداثة تجربة الانتخابات على مجتمع الإمارات، بخاصة وان هذه المرحلة شبه المتقدمة لم يسبقها برامج تمهيدية أو حتى توعوية في الإطار التأسيسي للتجربة، لكن يمكن الجزم أن المجتمع الإماراتي أثبت قدرته على التكيّف، وأصبحت الخطوات التي أعقبت الإعلان عن انتخابات جزئية للمجلس الوطني مجرد خطوات تكميلية واكبت الرؤية المستقبلية للعملية.
ومع إماطة اللثام عن أسماء المرشحين للمجلس في مختلف الإمارات، أصبحت المسؤولية الملقاة على عاتق أولئك اكبر وأعمق بل يمكن القول إن البرامج الانتخابية التي تعهدوا بها ستجعلهم تحت منظار من يريد أن يحاسب أو يراقب، رغم أن عملية التصويت لهذه الأسماء لم تحكمها في باطن الأمر الشعارات الانتخابية للمرشحين بقدر ما احتكمت إلى مدى الثقة في خبراتهم العملية وسيرتهم الشخصية .
وإن كانت هناك بعض الاستثناءات، وبالتالي يتقاسم المسؤولية من وصل مع من كان سببا في الوصول، لأن النقلة التي ترتبت على عملية التصويت ستُرسِّخ مدى النضج في التعامل مع واقع الحياة السياسية من عدمه.
وهذا يتطلب إشراك المواطن في المنهاج العملي لتداول قضايا المجتمع من خلال برنامج مكثف لأعضاء المجلس الوطني وبخاصة المنتخبين منهم، وأيضا ضرورة التواصل مع الجمهور الذي من شأنه أن يعزز التفاعل ويقوّم التجربة في جانبها العملي، ولعل هناك ما يغفل عنه المواطن العادي بخاصة في الجانب المتعلق بتفعيل دور المجلس الذي في حقيقة أمره مجرد سلطة استشارية.
ومن أجل مواكبة التحول إلى حياة برلمانية مستقلة لابد من خطوات عملية ومدروسة نحو إصلاح وتغيير الدستور، وهذا لن يتسنى إلا بجعله مطلبا شعبيا لا يقف عند مطالبات أعضاء المجلس فقط، لأن الهدف العام هو استنهاض كافة شرائح المجتمع ووضعها في المناخ ذاته.
وقبل أن نستعجل في تقويم الأداء المفترض للمجلس الوطني، لابد من مراجعةٍ لأداء اللجنة الوطنية للانتخابات واللجان المنبثقة عنها، والتي تحملت العبء الأكبر في العملية الانتخابية رغم حداثة تجربتها حيث تأسست في أغسطس 2006، وعملت بصورة مضغوطة على انجاز العملية الانتخابية في غضون شهور قليلة، ونظرا لأهمية العمل على تفعيلٍ أكبر لهذه اللجنة فالأمنيات كثيرة ولن تقتصر في الفترة المقبلة على المهام .
والاختصاصات نفسها التي أنيطت بها في هذه المرحلة الانتقالية، لذا يتطلع المواطن أن تلعب اللجنة دوراً أفضلَ في تثقيف الرأي العام عبر لجان متخصصة تعمل طوال السنة على انتشال البعض من الحيرة التي أصابته جراء اختياره عضوا في الهيئة الانتخابية دون أن يتعرف مسبقا على دور وأهمية المجلس الوطني، بل البعض ونتيجة الفجائية اندفع إلى الترشح للعضوية دون أن يدرك إمكاناته الثقافية والسياسية وإنما الإحساس بالتزكية كان سببا في هدر الوقت والمال.
نتيجة لهذه المشاهد التي تكررت في كل إمارة تقريبا يجدر باللجنة الوطنية مستقبلا تبني سياسة إعلامية شفافة تركز على التعريف بالمجلس من خلال نقل حي ومباشر لمجريات انعقاد دورات المجلس ليتسنى للجمهور التعرف عن قرب على أداء الأعضاء إضافة إلى توفير التفاعل المطلوب مع القضايا المطروحة.
ومن المفترض أيضا تبني برامج تبث عبر الفضائيات المحلية تناقش وتستطلع أراء الجمهور وتعمل على تجسير الفجوة بين الجمهور المثقف وغير المثقف حتى نضمن نوعاً من الحياد المستقبلي تجاه المرشحين الذين تصّور البعض منهم أن الوصول للمجلس وجاهة ونوعا من التشريف الشخصي له، وهذا كان سببا في إنجاح البعض وخذل الآخر.
من ناحية ثانية وتحريضا على تقدير دور المرأة وأهمية مشاركتها في الحياة السياسية أسوة بمشاركتها العملية في خدمة مجتمعها، كان من الأفضل أن تمنح تسويقا أفضل لهذا التواجد من خلال التحضيرات الأولية للانتخابات، لكن ما وجدناه زغاريد الفرحة دون أن نرى عرسا، وهذا ما دعا البعض مبكرا إلى توقع دحر العنصر النسائي عن الوصول إلى نهاية المشوار.
ولم يحفظ ماء الوجه سوى شابة وحيدة من إمارة أبوظبي، ويمكن التأكيد على أن بعضهن اجتهد وحاولن كسب جملة من أصوات الناخبين لكن في النهاية لم تتمكن أي منهن في تحقيق نسبة مشرّفة والأسباب كثيرة، ولعل أكثرها إيلاما هي عدم استطاعتها كسب ثقة الناخب حتى آخر رمق في العملية الانتخابية.
وبعيدا عن التطبيل لدخول المرأة للمجلس الوطني فلا يوجد ضير إذا لم تدلف من بوابة الانتخاب المباشر لأن التجربة نفسها جديدة وبحاجة إلى تراكم الخبرات، لكن الضرر يكون عند وصول امرأة هشة الثقافة، وركيكة في تنظيم أجندتها،.
ولو تم عمل استبيان حول ثقافة المرشحات السياسية ربما سنرى العجب العجاب من بعضهن، لذا يعوّل على اللجنة الوطنية للانتخابات أن تبدأ ببث الوعي في المدارس والكليات والعمل على الارتقاء بالثقافة الجديدة التي اخترقت حتى منامات البعض وأرقت حياته لأن صوته أمانه والبعض لم يعرف كيف يوظّفه بالصورة المثلى ما دام الوقت داهمه، بل البعض كان يدخل إلى مركز الاقتراع متشككا في اختياراته والكثير منهم اتبع شعار «معاهم معاهم».
أما موضوع التغطية الإعلامية للانتخابات فإن المتتبع قد لمس مدى تفاوت نجاح هذه التغطية في الصحف عنها في فضائياتنا المحلية، التي اقتصر همها على فلاشات اللجنة الوطنية حول الانتخابات والتي رأيناها تذاع طوال الوقت، لكن غابت البرامج التثقيفية والحوارية، بل هناك غياب ملفت للمثقفين والأكاديميين والمحللين.
وكم تمنينا لو كان الحدث رياضيا حتى يزف للمشاهد في أبهى صوره، لكن الركاكة التي ظهرت بها بعض البرامج التي أعدت على عجل لم تسعف المشاهد في تتبع كامل الصورة، والمفارقة أن تكون تغطية الانتخابات في دول الجوار أكثر أهمية لبعض فضائياتنا من هذا الحدث التاريخي في التجربة السياسية لدولة الإمارات.
أخيرا المسؤولية أصبحت أثقل أمام من تبوأ كرسي المجلس، وإذا كان المواطن قد جدد الثقة في بعض الأسماء التي حظيت بمسؤوليات سابقة فانه بلا شك ينتظر أن تسفر هذه الثقة عن بصمات حقيقية، بخاصة وان التجربة نفسها على المحك ودون مزايدات على الهم الوطني.
كاتبة إماراتية
