السياسة في بلادنا العربية تحولت إدماناً، فأينما تلفتنا، وأينما ذهبنا تطاردنا السياسة منذ الصباح الباكر وحتى ندخل أسرتنا، وأظنها تتسلل بشكل ما إلى أحلامنا، التلفزيون لا يحلو له سوى أحاديث السياسة، فهناك أخبار، وهنا محاورات، ولقاءات وتقارير، وأقمار اصطناعية، رجال السياسة يتصدرون الشاشات كأنهم يسكنونها إلى ما لا نهاية، إنهم أشهر من نجوم الكرة ونجوم الغناء، أحداث السياسة هي العنوان الأول وكل حدث مهما كانت درجة مأساويته يعامل على أنه سياسة، يذاع، ينشر، يحلل وينتهي.

الموت في العراق سياسة لا أكثر ولا أقل، يمر الخبر على مسامعنا كل يوم بنفس الوتيرة وربما في نفس التوقيت: «قتل اليوم 30 عراقيا في انفجار سيارة مفخخة، «أودى انفجار في سوق ببغداد بحياة 65 عراقيا»®.

وهكذا، أما من قتلهم؟ ما مصيره؟ لماذا قتلوا؟ ما هو حال أهليهم، أبنائهم وزوجاتهم وأمهاتهم، فلا تعليق وكأن الأمر لا يعدو كونه قتل عشرات العراقيين كنتيجة طبيعية لما يحدث في العراق وعلى الجميع أن يتقبل الأمر هكذا ومن لم يعجبه الخبر فليغير المحطة على أحداث القنوات الفضائية ويرتاح!

في العالم العربي، نحن نتعاطى السياسة كما نتعاطى الأدوية، نحن مرضى بالسياسة لأننا مبتلون بالجغرافيا والتاريخ، ونتعاطى الأدوية لأننا مبتلون بكثير من الأمراض، فهل نعرف تركيبة الأدوية التي نتناولها على وجه الدقة، هل يقول لنا الأطباء مم تتكون وما هي وظيفتها، وماذا يحدث في أجسادنا ودمائنا حين تذوب فيها هذه الأدوية؟

هل كلف أحد الأطباء نفسه ذات يوم فشرح لنا مضاعفات الدواء إذا أفرطنا في تعاطيه أو إذا استخدمناه أكثر من المدة المحددة؟ طبعاً لا،، ونفس الشيء بالنسبة للسياسة، نحن نتعاطى السياسة، نتحدث فيها وحولها لكننا لا نفهم لماذا حدث ما حدث ولماذا لم يحدث بشكل مختلف، ولماذا حدث في هذا التوقيت تحديداً؟ رجال السياسة يفصلون السياسة ونحن نبتلعها يومياً بكل سمومها!!

لنأخذ هذا المثل: أميركا مهزومة بشكل فاضح في العراق، مع ذلك فهي مصرة على البقاء فيه، تقول بأنها تريد أن تعيد إعماره، هي تكذب، ونحن نصدقها، جنودها يقتلون هناك وقد وصل عدد قتلاها ثلاثة آلاف جندي مع ذلك فهي مصرة على البقاء! أما العراقيون فيبادون يومياً، على يد من يا ترى؟

من يبيد العراقيين بهذا الشكل المفجع؟ الإرهابيون؟ فمن هم هؤلاء الإرهابيون؟ رجال المقاومة؟ كيف يقتل المقاومون أبناء وطنهم؟ أنصار صدام حسين فماذا يستفيدون؟ المخابرات الأجنبية فلماذا لا تتصدى لهم قوات القوة العظمى؟ ماذا يفعل مئات الآلاف من الجنود الأميركان في العراق، يبنون العراق؟ كيف يبنونه بأرتال الجثث والجماجم؟

ما الفرق إذن بين بوش وصدام حسين؟ ما دور رجال الدين والتيارات الدينية والمذهبية في كل ما يحدث؟ و... ومئات الأسئلة التي تبقى معلقة بلا إجابة، فلا نحن نفهم ما يجري ولا نحن نكف عن متابعة السياسة، ففي فلسطين أسئلة أشد قسوة، أما أسئلة لبنان فحكاية أخرى!

sultan@dmi.gov.ae