في خمسينات القرن الماضي كان الصراع على سوريا هو شاغل السياستين البريطانية المتراجعة والأميركية المتقدمة، ذلك أن الحزام الجنوبي للاتحاد السوفييتي كان قد استكمل بإقامة حلف بغداد الذي شاركت فيه تركيا وإيران والعراق (نوري السعيد) وباكستان وأريد له أن يشكل حاجزاً أمام تمدد النفوذ السوفييتي إلى الشرق الأوسط،

والوقوف بوجه امتداد حركة التحرر القومي بقيادة عبد الناصر إلى الدول العربية الأخرى. وطرح الرئيس أيزنهاور رئيس الولايات المتحدة مشروعه للشرق الأوسط وهو ما سمي (بسد الفراغ) في حال رحيل النفوذ البريطاني والفرنسي، وكانت سوريا في ذلك الوقت هي العقبة الرئيسية بوجه المشروعين (حلف بغداد ومشروع أيزنهاور)

فأطلقت الولايات المتحدة والغرب عموماً التهديدات ضد سوريا واتهمتها بالسير نحو التحول إلى نظام شيوعي، واستنفرت تركيا قواتها العسكرية على حدود سوريا ونزل المارينز الأميركيون في لبنان (بناء على طلب الرئيس شمعون)

وتهيأ الداخل السوري للمقاومة من خلال إقامة حكومة الوحدة الوطنية وتدريب السوريين على السلاح وتسليحهم، وكانت فرصة لتتزود سوريا بالسلاح السوفييتي وتمتن علاقاتها مع مصر بل وينخرط البلدان في إستراتيجية واحدة أعطيا من خلالها لحركة التحرر القومي العربية معناها وأدواتها

ودعما الشعوب العربية المستعمَرة لتناضل ضد المستعمر الغربي بالسلاح والمعونة وخاصة في الجزائر وبلدان المغرب العربي كما في جنوب اليمن وغيرها، وفي المحصلة انتصرت حركة التحرر العربية وغدت الحركة القومية سيدة الموقف ونجت سوريا من الحصار ثم ما لبثت أن اتحدت مع مصر وأقامت الجمهورية العربية المتحدة.

واليوم يبدو أن الصراع على لبنان في أشد مراحله إذ تتوالى التصريحات الغربية والأوروبية المتعلقة بلبنان بغزارة، ولكن الصراع هذه المرة ليس من أجل الهيمنة على لبنان (فلا خيل عنده ليهديها ولا مال) وإنما هو جزء من جبهة الصراع مع إيران واستطراداً مع سوريا،

إذ لا شك أن هزيمة إيران في لبنان تضعف أوراقها الخارجية وتشكل بداية لتراجع نفوذها الإقليمي القائم والمحتمل، وفي الوقت نفسه تجرد سوريا من ورقتها اللبنانية وهي من أهم أوراقها وتزيد الضغوط عليها أملاً في إخراجها من مجموعة اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط،

وهكذا مثلما كانت أهداف الصراع على سوريا في الخمسينات تقع خارج حدودها فكذلك أهداف الصراع على لبنان في أيامنا تقع خارج حدوده، والفرق هنا وهناك إنما يقع في الأسلوب والوسائل بسبب اختلاف الظروف والزمان وخاصة بعد تراجع النظام العربي واختلاف المحاور وطغيان القطب الواحد.

تتعرض سوريا لخطرين رئيسيين في حال انتصار المحور الغربي أولهما فقدان نفوذها في لبنان من خلال إضعاف أنصارها وهزيمتهم وبالتالي فقدان ورقة أساسية تشكل عاملاً حيوياً وفعالاً في بقاء سوريا شريكاً في لعبة الشرق الأوسط سواء منها الصراع مع إسرائيل ونوع التسوية المحتمل معها أم في مستقبل المنطقة من خلال إعادة تشكيلها وتشكيل أنظمتها التي تعمل السياسة الأميركية لتحقيقها،

إذ إن النفوذ السوري الحالي في لبنان يجعل من الصعب وربما من شبه المتعذر انفراج الأزمة اللبنانية بدون أخذ المصالح السورية بعين الاعتبار وهذا ما يضعف موقفها أمام إسرائيل للوصول إلى تسوية مقبولة ويخفف من جدوى تحالفها مع إيران أو تعاونها معها ويجعلها في الواقع محاصرة وضعيفة مما يترتب عليه تغيير سياساتها الداخلية والإقليمية وهو ما يخشاه النظام السوري.

والخطر الثاني هو خشية سوريا من أن النجاح الغربي الأميركي والأوروبي سيجعل إمكانية تسييس المحاكمات في المحكمة ذات الطابع الدولي المزمع تشكيلها لمحاكمة قتلة رفيق الحريري رئيس مجلس الوزراء اللبناني الأسبق أمراً ممكناً، وتخشى السياسة السورية أن تحوّل الضغوط الأميركية والأوروبية محاكمة بعض السوريين (إن كان لهم ضلع في عملية اغتيال الحريري) من محاكمة أفراد إلى محاكمة النظام السوري برمته،

وتوجيه الاتهام من اتهام المشاركين أفراداً إلى اتهام النظام السياسي، وعندها تفرض العقوبات على سوريا بدون رحمة ويتعرض النظام لأكبر المخاطر، ولعله من المهم تأكيد ارتباط الخطرين بعضهما بالبعض الآخر، فإضعاف حلفاء سوريا يغري بتسييس المحاكمة وتسييسها يضعف بدوره هؤلاء الحلفاء.

إن التحالف الرئيس للقوى الفاعلة من حلفاء سوريا في لبنان هو أولاً مع إيران ورهانها الأساسي يقع على الدور الإيراني والمساعدات الإيرانية مع اعتبار أهمية الدور السوري بالدرجة الثانية، كما أن سياسة روسيا لا تستطيع مواجهة ضغوط الولايات المتحدة بالمطلق، فهي وإن استطاعت عند إقرار مجلس الأمن نظام المحكمة الدولية في الشهر الماضي تعديله جزئياً

وحذف محاكمة الرؤساء منه فإنها لا تستطيع عرقلة تشكيل المحكمة أو الوقوف بوجه الضغوط عليها فيما بعد، أو تحويل المحاكمة من محاكمة أفراد ـ إن كانوا متورطين ـ إلى محاكمة نظام أو أخيراً منع فرض عقوبات على سوريا، وكل ما تستطيعه هو تخفيف هذه العقوبات.

ولذلك فإن مواجهة الصعوبات السياسية وغير السياسية التي تواجهها السلطة السورية إنما تقتضي تغيير استراتيجياتها الداخلية والإقليمية تغييراً بنوياً وإعادة النظر بكثير من محدداتها التي سجنت نفسها فيها.

كاتب سوري