كنت أقود سيارتي متوجهاً إلى عملي في الصباح، ومن عادتي أن أتجول بين الإذاعات العربية والأجنبية حتى أجد شيئاً مفيداً أسمعه كحوار ما أو أخبار على ألا تكون عن تفجير انتحاري أو تحليل سياسي لإحدى مشكلات الشرق الأوسط، فصادف أن سمعت متصلاً لأحد برامج البث المباشر يشتكي من إطارات سيارته!

فتعجبت من مدى جدية الرجل في طرح مشكلته ـ التي كنت أظنها بسيطة - على الهواء، ولكن ما أن استطرد في الحديث حتى علمت أنه يشتكي من شركة السيارات التي باعته سيارة تستوجب تبديل إطاراتها كل ثلاثة أشهر، وعندما سألهم عن السبب قالوا له بأن هذا الموضوع «عادي»

وجميع زبائنهم قد اعتادوا عليه منذ سنوات فهو خلل في تصميم السيارة وقد وعدت الشركة الأم أن تتداركه، الأمر الذي لم ير النور حتى اليوم. ولكن حنق الرجل واستياءه من عدم وجود أية جهة يستطيع من خلالها استرجاع حقه كان أكثر من استيائه من الشركة نفسها.

أما بالنسبة لي فإن استيائي من المستهلكين الذين «تعوّدوا» على هذا الموضوع كان أكبر بكثير، وهو أمر يدل على أن حقّ المستهلك في البلدان العربية مهضوم من قبل المستهلك نفسه قبل الشركات أو المؤسسات الحكومية المسؤولة عن حماية المستهلك.

من المسؤول عن ثقافة المستهلك في بلداننا العربية؟ هل هي الحكومة أم القطاع الخاص؟ أم المستهلك نفسه؟ ما أعلمه أن دول الشمال - السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا وايسلاند - تحمّل جميع المؤسسات المعنية والأفراد هذه المسؤولية، بل تبدأ من النشء،

فقبل عدة سنوات وضعت مؤسسة حماية المستهلك لدول الشمال بالتعاون مع مجلس وزراء دول الشمال مشروعاً لإدخال مناهج تعليمية حول ثقافة المستهلك إلى جميع المدارس، من الابتدائية وحتى الثانوية، وكان الدافع وراء ذلك هو نتائج دراسة أجرتها هذه الجهات أشارت إلى تغيّر معطيات المجتمع وأنماطه في العشرين سنة الماضية، فما يصرفه أطفال ومراهقو اليوم أكثر نسبيا عن مصروفات الأجيال السابقة،

وبالتالي أصبحت هذه الشريحة التي كانت منسية في يوم ما من الشرائح الرئيسية المستهدفة من قبل الشركات والمؤسسات التي تسعى إلى زيادة مبيعاتها عن طريق الإعلانات والحملات التسويقية التي أصبحت بدورها أكثر تعقيداً وتطوراً عن ذي قبل،

فاليوم لا يكاد يخرج إعلان إلى الشوارع حتى يشارك في صنعه خبراء نفسيون متخصصون في أساليب الإقناع والجذب، وخصوصاً مع تطور تقنية المعلومات وتعدد وسائل الترفيه المرئية التي أضحت المتنفس الرئيسي للأطفال والمراهقين، والمعين الذي لا ينضب بالنسبة لهم،

لذلك ارتأت هذه الدول أن تبني ثقافة استهلاكية قائمة على فهم أعمق من قبل الأطفال والمراهقين للواقع من حولهم، وتسليحهم بمعارف ومهارات ضرورية كالتخطيط المالي على المستوى الشخصي والأسري، وفهم التشريعات الخاصة بحماية المستهلك وكيف ومتى يمكنهم الاستفادة منها،

بل ذهبت المناهج إلى تعليم الطلبة أساسيات النمو الاقتصادي للدول وكيف يربط الفرد بين هذا النمو وزيادة الأسعار أو نزولها وكيف يمكنه أن يستفيد مالياً من هذه التقلبات، وهي بذلك تسعى إلى إيجاد صمام أمان لدى هؤلاء الطلبة الذين سيشكلون في المستقبل القريب أسراً ومؤسسات، كل في مجتمعه.

ولقد حرصت الجهات التي قدمت المشروع على إيجاد أساليب جديدة ومبتكرة لتدريس هذه المواد الجافة نوعاً ما، فتم إشراك الطلبة في وضع جزء من المنهج من خلال استعراض المواقف اليومية التي يمرون بها وكيف تعاملوا معها سواء بصورة إيجابية أو سلبية، كما يتم تدريس معظم هذه الدروس عن طريق الحوار المفتوح بين الطلبة والمعلم،

بل إن بعض الطلبة ألّف مسرحيات تدور حول بعض قضايا حماية المستهلك وقاموا بعرضها على أكبر عدد ممكن من مدارس المدينة التي يدرسون بها، أما بالنسبة لإدارة المدارس فلقد ابتكرت برامج للمحاكاة الواقعية لبعض قضايا حماية المستهلك حتى تجعل الطلبة أكثر تفاعلاً مع المنهج،

وفي كل فصل دراسي يوكل إلى كل مجموعة من الطلبة مشروع حول قضية معينة - كصاحب الإطارات المذكور سالفاً - ومن ثم يقوم الطلبة بالتحري عن القضية والسعي إلى إيجاد حلول عملية لها حتى وإن اضطروا إلى التحدث مع المسؤولين في الشركة المشتكى عليها أو إحدى مؤسسات حماية المستهلك.

ومن أهم الأشياء التي تدرس للطلبة هو كيفية معرفتهم لحقوقهم وواجباتهم عند إجراء أي تعاملات تجارية، حيث يتعرف الطلبة على أهم القوانين المعنية بحماية المستهلك، وكيف يمكنهم استيعاب الشروط التي تكتب على بعض المنتجات أو في بعض المحال التجارية، كما يتم تثقيفهم حول إيجابيات وسلبيات الاتفاقيات التجارية التي تعقدها بلدانهم مع الدول الأخرى وكيف تؤثر هذه الاتفاقيات عليهم كمستهلكين.

أما بالنسبة للإعلانات التي ينقاد إليها الأطفال والمراهقون بسهولة ويسر، فإن أول ما يدرس الطلبة عنها هو كيفية استنباط الهدف الذي تسعى وراءه كل وسيلة دعائية وكيف يمكنهم تحليل الرسالة الخفية التي عادة ما يتم دسها بطرق علمية كاختيار ألوان معينة أو كلمات تثير غريزة ما لدى الإنسان،

ويدرس الطلبة كذلك تأثيرات وسائل الإعلام المختلفة بشكل عام على المجتمعات، وما هو الدور الذي يجب أن تضطلع به هذه الوسائل وكيف يمكن استخدامها والتعامل معها بطريقة متوازنة، والجميل في هذه المادة أن الطالب يدرس الفرق بين المعلومة والإعلان

وما هو دور كل منهما ومتى تحمل الرسالة الموجهة إليه معلومة مفيدة ومتى تحمل إعلاناً دعائياً، كما يتم إعطاء الطالب بعض المصادر الموثوقة على شبكة الإنترنت ليتمكن من خلالها من معرفة حقيقة المعلومات المنشورة في الإعلانات أو تلك التي تكتب على أغلفة بعض البضائع.

ولم تغفل المناهج أهمية البيئة التي يعيش فيها الطلبة وما هو الدور الذي يجب أن يضطلعوا به حتى يحافظوا عليها كتقليل استهلاك الموارد الطبيعية والحد من استخدام البضائع التي تلوث البيئة أو تحدث أضراراً على الكائنات الحية على المدى البعيد، وذلك في سعي لزرع سلوك إيجابي تجاه البيئة لدى هؤلاء الطلبة، ليصبح مع مرور الوقت ثقافة يتحلى بها جميع أفراد المجتمع.

ما أحوجنا إلى مثل هذه المبادرات ونحن الذين نفتقر بعض الشيء إلى مؤسسات فعالة لحماية المستهلك - الى جانب الأنظمة والتشريعات تضمن لنا حقوقنا عند إجراء تعاملات تجارية - ونحصّن الأجيال القادمة ضد مرض الاستغلال التجاري الذي استشرى في جميع أسواقنا العربية، المفتوحة منها والمغلقة،

فإذا كانت الحكومات مترددة في إيجاد أطر قانونية لأسواقها خشية من فقدانها لميزاتها التنافسية، فلا أقل من أن توجد حراكاً اجتماعياً وثقافياً لدى الأفراد تجاه الشركات التجارية، فبعد الإنجازات الاقتصادية التي حققتها بعض الدول العربية سيكون من المؤسف عدم سد هذه الثغرات التي إن استمرت

فإنها ستضر بهذه الإنجازات عند دخول اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الأخرى حيز التطبيق، وكما قال بنجامين فرانكلين: «تسرب صغير قد يغرق سفينة كبيرة».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com