يحتاج التقرير الذي وضعته مجموعة دراسة العراق التي تناوب على رئاستها كل من وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر عن الحزب الجمهوري والسناتور السابق لي هاملتون عن الحزب الديمقراطي والذي يقع في مئة وستين صفحة احتوت على تسع وسبعين توصية للإدارة الأميركية، يحتاج إلى ساعات طويلة لدراسته بتمعن.

وذلك لأهميته من نواح عديدة، فهو تقييم للأحداث التي تجري في احدى أهم المناطق التهابا في العالم، منطقة الشرق الأوسط، ويأتي في وقت يتوقع المهتمون بالشأن السياسي إعلان تحول هام في الاستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة وربما على مستوى أوسع من ذلك. كما تكمن أهميته في كونه صادرا عن نخبة متميزة من الاستراتيجيين الأميركيين الكبار ذوي الخبرة والاطلاع الواسع في الشؤون الدولية.

وقد أنجزت هذه المجموعة مهمتها في ثمانية شهور قضتها في زيارات ميدانية داخل العراق وفي عقد لقاءات مع قادة معظم القوى السياسية الفاعلة في الشارع العراقي وإجراء مقابلات مع شرائح مختلفة من الشعب العراقي، كما قامت المجموعة بإجراء حوارات مع سياسيين من دول مجاورة.

وبقدر ما كانت هذه الدراسة شاملة وموضوعية، كانت مثيرة للجدل كذلك، وبقدر ما كانت متأنية ومنصفة ورصينة من وجهة نظر البعض لم تكن كذلك من وجهة نظر آخرين، ويكفي رصد ردود الفعل المتضاربة التي صدرت من أفراد أو منظمات أو حكومات إزاءها للتعرف على مدى أهميتها.

ورغم أن هدف الدراسة الأساسي هو تسليط الضوء على الواقع العراقي الخطير جداً على مختلف الأصعدة والبحث عن السبل اللازمة لوقف انحداره نحو الأسوأ وإيجاد مخرج للسياسة الأميركية المتخبطة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها قد تخطت ذلك بكثير.

فقد حرصت المجموعة على وضع تصور شامل لمجمل القضايا الملتهبة في الشرق الأوسط وعلاقاتها مع بعضها البعض. وكان لا بد للصراع العربي الإسرائيلي الذي كان ولا يزال أبرز القضايا التي تعكر صفو استقرار المنطقة، منذ ما يزيد على نصف قرن، أن يحظى باهتمام خاص في هذه الدراسة.

والدراسة في الكثير من بنودها تسلط سياط التقريع على وزارة الخارجية الأميركية وعرابتها كوندوليزا رايس من خلال الإقرار، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بفشل السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، مقترحة حلولاً لمشاكل المنطقة من خلال التوصيات العديدة التي وردت فيها والتي قد لا يلقى بعضها آذاناً صاغية داخل الإدارة الأميركية ومنها فتح الحوار مع الدول المجاورة للعراق.

من المستبعد أن يكون واضعو هذه الدراسة راغبين في منح بعض دول الجوار العراقي أية مكاسب من الوضع المتردي في العراق من خلال التوصية بإشراكهم في الحوار حول إعادة الاستقرار إليه، كما ذهب بعض من كتب حول هذا الموضوع.

فالحوار المقترح مع هذه الدول مقرون بشروط مرهقة لها، بل ان الدراسة ترى بأن مدخل النفوذ لبعض هذه الدول في المنطقة يكمن في استغلال القضية الفلسطينية، وان التوصية برفع الحيف أو بعضه عن الشعب الفلسطيني تعتبر مدخلاً ضرورياً لتحجيم الدور الذي تلعبه بعض هذه الدول.

لا يتفق واضعو هذه الدراسة مع الرئيس الأميركي في أن شعار نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط هو المدخل الصحيح لنجاح المشروع الذي تسوقه الولايات المتحدة لهذه المنطقة، مشروع الشرق الأوسط الكبير. فهم يرون أن على الإدارة الأميركية ان تعمل أكثر من ذلك بكثير، عليها أن تتجه نحو نهج آخر أكثر إقناعاً لشعوب المنطقة لتأمين نجاح هذا المشروع.

عليها العمل على إيجاد حل سريع للمشكلة الكبيرة في الشرق الأوسط وهي الصراع العربي الإسرائيلي كخطوة لا بد منها لتقليص التوترات الإقليمية التي لا يمكن أن ينظر إلى أحدها بمعزل عن الأُخريات. فالولايات المتحدة لم تسهم بما يكفي لدعم الشعب الفلسطيني الذي تقبلت معظم منظماته، منذ سنين عديدة، مبدأ التخلي عن حمل السلاح ووافقت على اللجوء، عوض ذلك، إلى الخيار السلمي للحصول على حقوقها.

بل عملت على العكس من ذلك، حين استمرت في احتضان إسرائيل والدفاع عنها في مجلس الأمن الدولي، وهي تقوم بتدمير منظم للبنى التحتية للسلطة الفلسطينية وتضعف إلى حد كبير من دورها وقدراتها في إقناع الشارع الفلسطيني المحبط بجدوى الخيار السلمي. فقد ورد في هذه الدراسة توصيتين هامتين بخصوص هذه القضية وهما:

1ـ ما يتعلق بالمسار الفلسطيني: تطبيق قراري مجلس الأمن المرقمين 242 و 338 الخاصين بالانسحاب الإسرائيلي إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو من عام 1967، والإسراع في تأسيس الدولة الفلسطينية وهي التوصية التي أغضبت إسرائيل ورحب بها العرب.

2ـ ما يتعلق بالمسار السوري: التوصية بإعادة هضبة الجولان إلى سوريا تمهيداً لإنهاء حالة النزاع السوري الإسرائيلي مما حدا بالخارجية السورية إلى إضفاء صفة التوازن والمعقولية على التقرير.

والملفت للنظر أن هذه التوصية التي تصب في صالح الشعب الفلسطيني قد جاءت متزامنة تقريباً مع نشر الآراء الجديدة والشجاعة التي وردت في الكتاب الذي أصدره الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر والذي أبدى فيه نقداَ صريحاً لسياسة الولايات المتحدة حول الصراع العربي الإسرائيلي. والملفت للنظر بشكل أكبر هو أن التعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني الذي يبديه مسؤولون أميركيون كبار يأتي متأخراً جداً، يأتي بعد أن يغادروا موقع صناعة القرار.

لم تتسم السياسة الأميركية بالمرونة الكافية التي تنسجم مع مرحلة التغيير الكبير في العلاقات الدولية التي أعقبت تفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، إذ لم تغير الولايات المتحدة من سياساتها في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها بالذات، متناسية أن المواقف والسياسات القديمة قد رُسمت وفق أطر علاقات دولية خاصة حكمتها معادلات الحرب الباردة وطقوس التشنج التي سادت آنذاك .

والتي وضعت منظمة التحرير الفلسطينية في خانة حلفاء الاتحاد السوفييتي السابق، ووضعت إسرائيل حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة. مع العلم أن المنظمة الفلسطينية ليس في أجندتها ما يتفق مع الفكر الماركسي الذي ترى فيه الولايات المتحدة خطراً كبيراً يهدد مصالحها على المستوى الاستراتيجي. لقد كان على الولايات المتحدة أن تعمد إلى إعادة النظر بتلك السياسات المتشنجة وتعمل على إفساح المجال لحلول منصفة لما سببته حرب عام 1967 من تداعيات سلبية على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط.

لقد أعتبر مخططو السياسة الأميركية ان تفكك المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفييتي انتصارا كبيراً للولايات المتحدة يسمح لها ببسط نفوذها دون عوائق في مختلف بقاع العالم، إلا أنه تبين فيما بعد قصر نظر هذا التصور، فالتيار الليبرالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ليس وحده من جنى ثمار ذلك، فقد كان الرابح الأكبر في الشرق الأوسط هي القوى الأصولية المتشددة التي جيرت هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان لصالح أيديولوجيتها وسياساتها.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae