رشحت ثلاث مؤسسات استثمارية عالمية رائدة في مجال التقييم الاقتصادي العالمي روسيا لمنافسة الاقتصاد الأميركي والألماني في غضون الأعوام العشرة المقبلة، حيث حصل الاقتصاد الروسي حسب تصنيف هذه المؤسسات خلال الأعوام الخمسة الماضية على ثماني درجات،.

وينقصه سبع درجات أخرى فقط للوصول لمستوى الاقتصاد الأميركي الحاصل على خمس عشرة درجة هو والاقتصاد الألماني ويليهما الاقتصاد الفرنسي والياباني والبريطاني المتوقف عند الدرجة الثانية عشرة، والتي حققها على مدى عقود طويلة، بينما الاقتصاد الروسي انتقل من درجتين إلى ثماني درجات في خمسة أعوام فقط.

وكانت مؤسسات التقييم قد منحت الاقتصاد الروسي في مارس الماضي مؤشر الجاذبية الاستثمارية الذي لم تحصل عليه أكثر من عشر دول في العالم من بينها الدول الصناعية الكبرى، ولأول مرة في تاريخ صندوق النقد الدولي يقر بنمو معدل الناتج القومي الروسي في عام 2005 إلى 6 ,6%، ورشحت مجلة فوربس الأميركية في مايو الماضي روسيا لأن تصبح القوة الاقتصادية الرابعة أو على الأقل الخامسة في العالم في عام 2010.

وكتبت المجلة تقول إن الاقتصاد الروسي سوف يصبح على مستوى الاقتصاد الأميركي بحد أقصى عام 2015، وتفيد معلومات وزارة المالية الروسية بأن لدى روسيا كافة الإمكانات اللازمة، فقط تنقصها الآن سياسة مالية جيدة، وأن الناتج المحلي الروسي سيصل في عام 2008 إلى تريليون دولار، أي ما يقرب من نصف الناتج المحلي الأميركي.

وأن مستوى دخل الفرد الروسي سيصل قبل نهاية الربع الأول من هذا القرن إلى مستوى دخل الفرد الأميركي، وأن الاقتصاد الروسي أصبح محصنا ضد الأزمات المالية التي لم تحدث خلال الأعوام الخمسة الماضية بينما حدثت ست أزمات في فترة التسعينات من القرن الماضي.

ومن الواضح أن الطفرة الهائلة في أسعار مصادر الطاقة وخاصة النفط لعبت دورا كبيرا في هذا النمو، حيث استفادت منها روسيا أكثر من غيرها بكثير باعتبار أنها ثاني دول العالم في إنتاج النفط وتصديره بعد المملكة العربية السعودية.

وتملك روسيا وحدها10% من احتياطي النفط العالمي، ولا تخضع مثل السعودية وباقي دول أوبك بحصة إنتاج وبيع محددة، هذا إلى جانب أن روسيا وحدها تملك نحو ثلث الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي، ويشكل احتكار روسيا لهذا الإنتاج الضخم من الغاز قلقا كبيرا للعديد من الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية.

وذلك بعد أن أصبحت أوروبا الغربية تعتمد على الغاز الروسي في الصناعة والتدفئة بنسبة تجاوزت 40%، وسوف تصل النسبة إلى 70% في عام 2010 بعد تشغيل مشروع خط الشمال الذي اتفقت عليه روسيا مع ألمانيا في العام الماضي بتكلفة قدرها مليارا يورو، ولم تفلح الجهود الأميركية لإفشال هذا المشروع الذي تخشى منه واشنطن أن يتحول إلى أداة نفوذ قوية لروسيا في أوروبا.

وقد أدرجت مجلة فوربس الأميركية شركة غاز بروم الروسية ضمن قائمة أكبر خمسين شركة في العالم، ويصفها الرئيس بوتين بأنها شركة سوبر إستراتيجية، وتطالب واشنطن بطرح هذه الشركة للخصخصة وللاستثمارات الأجنبية خشية أن تستغلها الحكومة الروسية سياسيا لتهديد أوروبا.

ويتوقع خبراء الطاقة أن تواجه الولايات المتحدة في الأعوام القادمة في مجال الطاقة حربا ضارية مع روسيا التي تتطلع لفرض نفوذها على أسواق الطاقة العالمية، كما يرى الديمقراطيون في واشنطن أن إهمال الإدارة الأميركية لروسيا بعد أحداث 11 سبتمبر أعطى فرصة كبيرة لنظام الرئيس بوتين لينهض بالاقتصاد الروسي ويخرج به خارج الحدود الروسية ليصل إلى قارات العالم الخمس وبشكل يصعب إيقافه، مما سيشكل في المستقبل خطرا على الاقتصاد الأميركي، وحذر البعض من التقارب الاقتصادي بين روسيا والصين والهند.

لا شك أن الطفرة الهائلة في أسعار الطاقة في الأعوام القليلة الماضية أعطت للاقتصاد الروسي دفعة قوية، إلا أن هناك آراء كثيرة ترى أنه ليس النفط والغاز وحدهما هما السبب بل هناك أسباب أخرى، ومن أهمها سياسة نظام الرئيس بوتين منذ عام 2000 التي أعادت سيطرة الدولة الروسية على ثرواتها الرئيسية وأنقذت الاقتصاد الروسي من مجموعة رجال الأعمال والأغنياء الروس الجدد الذين ظهروا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

لا شك أن عائدات النفط والغاز أعطت للاقتصاد الروسي دفعة وقفزة قوية لكنها ليست كل شيء وليست السبب الوحيد، ولكن سياسة الحكومة الروسية الحالية واستراتيجيتها الاقتصادية هي التي دعمت الاقتصاد الروسي، وهذا لا يعني أن انخفاض أسعار النفط سيؤثر على الاقتصاد الروسي الذي أصبح محصنا ضد الأزمات.

ليس النفط والغاز وحدهما سيؤهلان الاقتصاد الروسي لمنافسة اقتصادات الدول الصناعية الكبرى، بل هناك مجالات أخرى شهدت ازدهارا كبيرا، ومنها صناعة السلاح التي عادت روسيا تحتل فيها مكانة متقدمة في الأسواق العالمية دفعت الإدارة الأميركية في أغسطس الماضي إلى فرض عقوبات على أكبر شركتين روسيتين «روس أوبرون إكسبورت» و«سوخوي» بحجة أنهما يبيعان السلاح لدول مارقة، في حين أن هاتين الشركتين يبيعان السلاح لأكثر من ستين دولة، وبلغت مبيعات روسيا من السلاح عام 2005 نحو ستة مليارات من الدولارات.

وفي تقرير الأمم المتحدة لعام 2005 اعتبر روسيا ثاني دولة في مبيعات السلاح بعد الولايات المتحدة الأميركية، في حين اعتبرها تقرير معهد استوكهولم الدولي الأولى من حيث قيمة السلاح باعتبار أن روسيا تبيع السلاح بأسعار أقل بكثير من السلاح الأميركي، وبخلاف السلاح تتصدر روسيا أسواق عالمية أخرى بلا منافس، مثل سوق الألمنيوم التي تتحكم روسيا وحدها بنسبة 15% من مبيعاته.

وتضع مجلة فوربس الأميركية شركة روسال الروسية للألمنيوم في المرتبة الأولى في العالم، وقد أجرت شركة روسال في أواخر أغسطس الماضي صفقة تاريخية اشترت فيها أكبر شركة أوروبية منافسة لها، وهي شركة جلينكور السويسرية بصفقة قدرها 30 مليار دولار.

ويرجع سر تفوق روسيا في مجال الألمنيوم والتعدين عموما ليس فقط إلى توافر المواد الخام بل أيضا إلى توافر الطاقة الكهربائية الرخيصة واللازمة لهذه الصناعة والتي بسبب ارتفاع سعرها في أوروبا استسلمت الشركة السويسرية العملاقة لمنافستها الروسية.

لقد أصبحت تعاملات روسيا مع الدول الأخرى تحكمها فقط المصالح المشتركة وقواعد السوق، وليس الاعتبارات السياسية، وحتى الأميركيون الذين مازالوا يتعاملون مع روسيا من منطلقات سياسية سوف يخضعون في النهاية ويتعاملون معها وفق الظروف الموضوعية الجديدة، وهذا أيضا ما أشار إليه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في كلمته التي ألقاها في مجلس السياسة الدولية في مدينة لوس أنجلوس الأميركية .

حيث قال «نحن ندعو الولايات المتحدة لتطوير علاقاتها الاقتصادية مع روسيا على أساس المصالح المشتركة وبعيدا عن أي اعتبارات سياسية، ونحن مستعدون لمضاعفة استثماراتنا في الاقتصاد الأميركي عشرات المرات فقط عندما تتوافر الثقة المتبادلة ويتخلص البعض من أفكار الحرب الباردة».

جامعة سيبيريا