(عربيزي) هو عنوان الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة (MBC) الفضائية قبل أسبوعين تقريباً، من إعداد وإخراج داليا الكوري، ولا شك أن كثيرين منّا قد تابعوه، ولكن الشك يطلّ برأسه أمامي حين أفكر في موقف المشاهدين، باختلاف فئاتهم وتصنيفاتهم، مما شاهدوه في ذلك الفيلم.
في البداية يجب أن أوضح أن المقصود بعنوان الفيلم ـ الذي فاز بالجائزة البرونزية لأفضل فيلم وثائقي في مسابقة الأفلام الأردنية القصيرة للهيئة العليا للإنتاج السينمائي الأردني عام (2005م) ـ هو الخلط بين اللغتين: العربية والإنجليزية في الكلام، بحيث يخرج الكلام هجيناً، لا هو عربي، ولا هو إنجليزي. وقد كان للفيلم أبطال ثلاثة رئيسيون، فتاتان وشاب، يشتركون جميعا -بالإضافة إلى اشتراكهم الأولي في تهجين الكلام واعوجاج اللسان- في أنهم يميلون -وإن كان بنسب متفاوتة- إلى اللغة الإنجليزية، ويرونها خير لغة تعبر عنهم، وأسهل وسيلة توصل ما يريدون إيصاله إلى الآخرين، متناسين أن في هؤلاء الآخرين أناسا قد لا يستطيعون أن يتفاعلوا تماما مع هذه اللغة الدخيلة، ولا مع هذه الطريقة الهجينة في التعبير عما في النفس.
مخرجة الفيلم ذات الخمسة والعشرين ربيعا، التي حصّلت تعليمها الجامعي في إحدى الجامعات الكندية، تتحدث هي بنفسها في أحيان كثيرة بما سمّاه أحد أصدقائها (العربيزي) ـ ومنه أخذت عنوان فيلمها الوثائقي-، وخصوصا عندما تريد أن تخوض في أمور حسّاسة، وتشعر أن التعبير عنها باللغة العربية قد يكون قويا أو صادما، فتلجأ إلى اللغة الإنجليزية، أو المزج بينها وبين العربية (عربيزي)، ولكنها تتحدث مع أهلها في المنزل بالعربية دون مزج أو تكسير، وتفتخر بموروثها الثقافي وبلغتها العربية الأم، وهذا الفخر هو مبعث اهتمامها بالموضوع، إذ لاحظت بعد تخرجها في الجامعة، وعودتها إلى بلدها الأردن أن الشباب أصبحوا يتكلمون (العربيزي) بشكل يمسّ كيان اللغة العربية، واحترامها في نفوسهم، ويعكس لا مبالاتهم بها، ونظرتهم الدونية لها، وهذا ما لم يكن شائعًا قبل سنوات خمس على الأقل، كما تقول المخرجة.
المتابع للفيلم يجد أن هؤلاء الشباب الذين يتحدثون (العربيزي) لا يقومون بذلك فقط لأن الكلمات تجري على ألسنتهم بهذه الطريقة الغريبة التي تمزج كلمات من لغات مختلفة مع بعضها وتنظمها في سياق واحد، بل يرى بوضوح أنهم يصدرون في سلوكهم هذا عن قصد ووعي بما يقومون به، واعتقادات راسخة بأنهم يعبرون عن أنفسهم بشكل أفضل حين يستخدمون ألفاظا إنجليزية بدلاً من الألفاظ العربية، كما يلمس بشكل واضح أيضا أنهم يرون في تحدثهم بالإنجليزية، أو في غلبة اللغة الإنجليزية على كلامهم نوعا من الوجاهة الاجتماعية التي تضعهم في مكان متقدم على غيرهم ممن يتحدثون بالعربية فقط. بل إن المتابع باهتمام للموضوع يشعر ـ عند أحد أبطال الفيلم دون تعيين- بوجود إحساس عدائي تجاه اللغة العربية الفصحى، في حين ترتفع اللهجة المحلية عنده إلى منزلة أعلى بكثير من منزلة اللغة العربية.
وأبطال الفيلم جميعًا يقرّون بأنهم يستطيعون التحدث بالعربية بطلاقة -وهم يقصدون اللهجات المحلية، مع الإشارة إلى أن أبطال الفيلم الوثائقي كانوا من ثلاث دول عربية مختلفة، هي: الأردن، ومصر، والكويت ـ ولكنهم يعتقدون أن معانيهم تكون أقوى، وأفكارهم تكون أوضح، حين تقدَّم بالإنجليزية، لذلك يبدأون كلامهم بالعربية، لأنها هي لغتهم الأصلية، لكنهم لا يلبثون أن ينحرفوا عنها إلى ما يعتقدون أنه أفضل منها في أداء المعنى، وتوصيل الفكرة.
واللافت للنظر في ما يمكن أن يستشفه المرء من كلام هؤلاء الشباب أنهم مقتنعون بنسب متفاوتة بأن اللغة الإنجليزية هي لغة العصر، وأننا لا نستطيع استخدام اللغة العربية دائما، بل إن منهم من يراها قاصرة عن مجاراة إيقاع العصر، ولا تصلح إلا لحمل تراث الأجداد فقط، أما مكتسبات العصر فإنها لا تصلح لحملها ولا التعبير عنها. وهذه الآراء إما أن تكون قد قيلت بشكل صريح ومباشر، أو ضمني وغير مباشر.
ومن الواضح أن هؤلاء الشباب يمثلون عينة مصغرة ومعبرة عن شريحة عريضة تتوزع على امتداد العالم العربي، مما يعني أن ما شاهدناه في الفيلم الوثائقي لا يتعلق بثلاثة شباب.
ولا يمثل موقف هؤلاء الثلاثة من اللغة العربية، إنما هو موقف عدد من شبابنا وشاباتنا قد يبلغ ضعف عدد الشباب الذين شاركوا في الفيلم الوثائقي بأصفار كثيرة، وهو ما ينبئ عن مستقبل لا يبشر بخير ينتظر اللغة العربية على أرضها ومن أهلها وأبنائها -إذا بقي الحال على ما هو عليه من إعراض شبه جماعي عنها ـ؛ فكيف يمكن نأمل بجعل اللغة العربية لغة عالمية تقف في مصافّ اللغات الأخرى ذات الثقل والقوة وأبناؤها وحملة رسالتها لا يجدونها صالحة للتعبير عن شؤون حياتهم البسيطة وتفاصيلها الصغيرة؟
إن الأمر أكبر بكثير من كون اللغة وسيلة تعبير وتواصل بين الناس؛ فاللغة وعاء الفكر، وباللغة يفكر الإنسان، وترتسم ملامحه الخاصة، التي لا بد أن تأتي مشوهة بقدر تشوهه لغويًا، وإذا لم يكن الإنسان بنفسه على قناعة راسخة بأنه يمثل نفسه من خلال لغته، وأنه يفرض على الآخرين احترامه بقدر احترامه للغته، كما تفعل كل الأمم المتطورة وذات الباع الطولى في الحداثة والتقدم، فلن يستطيع أن يكون ذاته، ولا أن يكون غيره، ولا بد أن يكون مخلوقًا هجينًا، لا يعرفه بنو جنسه، ولا يعرفه الآخرون، فهو المنتمي اللامنتمي في الوقت نفسه.
وقد يكون من المناسب أن تُختتَم هذه السطور بما اختُتِم به الفيلم الوثائقي (عربيزي)، وسأكتفي بذكره دون تعليق، لأترك للقراء فرصة التأمل الحر في إجابات هؤلاء الشباب الثلاثة عن سؤال موحّد وُجِّه إليهم في ختام الفيلم، وهو: ماذا يمكنك أن تقول للغتك العربية إذا وقفت أمامك تسألك عن عدم اهتمامك بها؟
فكانت إجابات هؤلاء الشباب مختلفة شكلاً، لكنها تبدو متفقة مضمونًا تقريبًا؛ فإحدى المشاركات في بطولة الفيلم قالت إنها تشعر أن اللغة العربية ليست مناسبة للتعبير عمومًا في هذا العصر، وأن اللغة الإنجليزية أكثر صلاحية على التواصل والاتصال بين الناس بسهولة وسلاسة ومرونة، وأن كثيرًا من التعابير يمكن أن نجدها في اللغة الإنجليزية ولا نجد لها مقابلاً عربيًا مما يفرض علينا استخدامها، ناهيك عن أنها لغة العصر أساسًا.
وقد أكدت أنها تستخدم لهجتها المحلية بالقدر نفسه الذي تستخدم به الإنجليزية، أما اللغة العربية الفصحى فلا تشعر بأي مشاعر إيجابية تجاهها. المشاركة الثانية قالت إن اللغة العربية لغة جميلة، لكنها تشعر أنها لا تعبر عنها، وأنها لا تستطيع أن تجعلها لغة التعبير عما في نفسها؛ فهي لا تفي بذلك في نظرها. أما المشارك الأخير فقد كانت إجابته معبرة جدا، إذ قال: سأقول للغة العربية إن جاءت تعاتبني على إهمالي لها، وعدم تحدثي بها: (إنك امرأة جميلة، ولكنك تزوجت الرجل الخطأ!)
جامعة الامارات
sunono@yahoo.com