رغم أن تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون الشهير يحوي 79 توصية، ورغم أن معظم هذه التوصيات، وهو أمر طبيعي بحكم المصالح القومية للولايات المتحدة، يتعلق بما يمكن أن نصفه، دون أن يصفه التقرير المذكور، بأنه محاولة لرسم سياسة خروج (Exit Policy) تتيح لواشنطن سبل التخلص أو بالأدق التملص من ورطة العراق.

رغم هذا كله فقد توقفت إسرائيل عند توصية واحدة بعينها في نصوص التقرير. انها التوصية التي تتعلق بالربط بين إيجاد حالة من الاستقرار في العراق وبين التماس حل ناجع أو معقول للصراع العربي - الإسرائيلي.جاءت هذه التوصية تعبيرا عن نظرة جادة وموضوعية. من جانب لجنة دراسة العراق كما أسمتها أدبيات السياسة الأميركية، إلى مجمل الأوضاع الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم أن دوائر شتى من المراقبين والمحللين السياسيين ظلت تحمد لتقرير بيكر - هاملتون هذا التوجه من حيث الاهتمام الموضوعي بقضية الشعب العربي الفلسطيني إلا أن طرفا واحدا فقط لا غير في منطقة الشرق الأوسط بادر لفوره إلى رفض هذا التوجه الصحي والصحيح وبالتالي رفض التوصية «اليتيمة» التي دعت إلى ربط مقاربة الصراع في فلسطين في إطار إيجاد حل لإرساء الاستقرار في العراق.

في هذا الإطار دهشت تلك الدوائر من تصريحات إيهود أولمرت رئيس وزراء اسرائيل حين أعلن قائلا أن «لا نية لدينا لفتح أي مفاوضات سلام مع سوريا. كما أن لدينا وجهات نظر مختلفة عن توصيات لجنة بيكر الأميركية وخاصة بالنسبة لمحاولة إيجاد صلة بين قضية العراق وقضية الشرق الأوسط) يقصد احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية»..

وبالنسبة للمفاتحات السياسية المفضية إلى محادثات سلام مع الطرف السوري (وأرضه محتلة في مرتفعات الجولان منذ 40 عاما) أضاف أولمرت قائلا: «ان الظروف غير مؤاتية لاستئناف تلك المحادثات مع سوريا.. ونحن لم نتلق أي إشارة مؤخرا من الرئيس الأميركي بوش تفيد بأن واشنطن سوف تضغط على تل أبيب من أجل بدء مثل هذه المحادثات».

في معرض التعليق فإن أول ما قد نلاحظه في هذا السياق هو تلك المشاركة في الانزعاج إزاء محتويات التقرير الأميركي الذي ضمت محتوياته 142 صفحة بين طرفين محوريين مازال لهما تأثير بصورة أو بأخرى في مجريات السياسة الأميركية. وهذان الطرفان هما:

(1) دوائر اللوبي الإسرائيلي وقد عبرت عن رأيه تصريحات أولمرت التي ألمحنا إليها.

(2) جماعة المحافظين الجدد التي ظلت تشارك في صياغة «أجندات» العمل السياسي في واشنطن وخاصة في مجالي السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للولايات المتحدة.

في هذا السياق يكتب ويليام كريستول وهو أحد صقور المحافظين الجدد في صحيفة «ويكلي ستاندارد» الناطقة بلسانهم قائلا: إن توصيات لجنة بيكر - هاملتون ما هي إلا وصفة لحالة من «الاستسلام المتنكر».

هكذا عمد أولمرت في تصريحاته إلى رفض أهمية الربط بين قضية فلسطين - وهي كما نكرر محور أزمة الشرق الأوسط - وبين تفاقم الأوضاع في أرض الرافدين، وكأنه يتجاهل البعد السوري في القضية ذلك الذي يجسده أيضا واقع الاحتلال الصهيوني للأرض العربية السورية في منطقة المرتفعات وهي «حالة احتلال» مازالت كل الصكوك الدولية في الأمم المتحدة وغيرها تتعامل معها بهذه الوضعية وتقرنها بالضرورة مع حالة الاحتلال القائمة في الأراضي الفلسطينية بقطاع غزة والضفة الغربية للأردن.

وفي تصورنا أن هذا الموقف الإسرائيلي الذي «يجرؤ» على نقد من هذا المستوى لوثيقة سياسية أميركية اكتسبت أهمية ومصداقية على صعيد الحزبين الكبيرين في واشنطن وبصرف النظر - مؤقتا - عن تصريحات الرئيس بوش بتأجيل التصرف عمليا في توصياتها إلى مطالع العام الوشيك - هذا الموقف الإسرائيلي أمر ينبع أساسا من التطورات التي آلت إليها ومابرحت تشهدها الساحة السياسية الداخلية في الكيان الصهيوني.

فمع أيام الصيف الملتهب الماضي زادت تطورات الأوضاع في إسرائيل سخونة بعد فشل عمليتها العسكرية إزاء صمود المقاومة الوطنية في لبنان مع ما تكشُف في سياق هذا الفشل من سوء الإدارة العسكرية واللوجستية للقوات الصهيونية.

ومع اكتشاف بؤر من الفساد السلوكي التي أعلنوا عن تفشيها بين جنرالات إسرائيل وخاصة ما يتعلق بصفقات عسكرية ومعونات مالية أميركية المنشأ.. ناهيك بالتصدعات والاهتراءات التي أصابت ولاشك «نظرية الردع» التي ظلت تروّج لها الدعايات الصهيونية خلال مواجهاتها مع الطرف العربي هنا أو هناك:

صحيح أن نظرية الردع، أو دعاوى إسرائيل التي لا تقهر سبق وأن تحطمت في مجملها في معارك أكتوبر 1973 على ضفاف القناة وساحات سيناء ومرتفعات الجولان - لكن هذه المواجهات كانت مع جيوش نظامية تستند إلى قدرات دول وإمكانيات شعوب وحكومات.. لكن مواجهات صيف 2006 كانت بين جيش الردع.. بل وأحيانا مع قواته أو فصائله النخبوية (لواء الجولاني مثلا) وبين حركة مقاومة شعبية قررت أن تصمد وتواجه وتقاتل ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

وربما كررت إسرائيل، ولو على مستوى مختلف من حيث الظروف ومسارح العمليات، نفس الخطأ الأميركي في العراق.. دخلت قوات رامسفيلد أرض العراق في ربيع 2003 تحت تصور أن المسألة لا تعدو نزهة عسكرية تقابل بالرياحين بقدر ما دخلت قوات أولمرت ساحة الجنوب اللبناني تحت تصور أن المسألة لا تعدو أياما تسحق فيها عناصر المقاومة ثم تفرض بعدها واقعا يعمد إلى تكريسه مجلس الأمن بقرار لوقف إطلاق النار..وبالطبع فلم يتحقق الهدف المنشود في أي من الحالتين.

وزاد الأمر تفاقما أن يأتي تقرير بيكر ليوصي واشنطن ببدء محادثات أو بالأدق مفاتحات مع كل من سوريا وإيران.. وفيما تأتي مثل هذه التوصيات التماسا لما يحقق مصالح أميركا القومية وهو أمر مشروع من الناحية المبدئية، فلم يسع إسرائيل إلا أن تعلن تبرمها ثم تتصاعد به إلى حالة من السخط العلني إزاء أي مفاتحات من جانب الراعي الأصلي في أميركا مع القوى الإقليمية - أو المحلية التي تعدها إسرائيل بمثابة أعدى أعدائها في منطقة الشرق الأوسط.

عند هذه النقطة لا يملك أي محلل سياسي عاقل أن يفصل بين هذا الوضع وبين تصريحات، أو تلميحات إيهود أولمرت إلى الإمكانات النووية عند إسرائيل. صحيح أنهم سارعوا، وربما لا يزالون، إلى تخفيف مثل هذه التصريحات رغبة في صرف الأنظار عنها..

إلا أنها في رأينا مازالت ترتبط بمحاولات إعادة الهيبة ولو بقدر ما من المصداقية المستعادة إلى نظرية الردع الإسرائيلي التقليدية وهي أيضا رسالة موجهة أيا كانت صياغتها إلى الطرف الإيراني الذي مازال يشغل أطرافا كثيرة إقليمية ودولية بحكاية «الشأن النووي» الذي تتعامل معه طهران..

يأتي هذا كله في إطار متعدد الأبعاد وتتسم في معظمها بأنها سلبية الآثار بالنسبة لمصالح إسرائيل.

ـ البعد الأول يتمثل في تصور إسرائيل أنها قد لا تحظى برئيس أميركي قادم بعد عامين يعطيها من التأييد والدعم ما قدمه لها السيد بوش على مدار السنوات الست التي أمضاها في منصبه.. (المقارنة هنا مع رئيس أسبق - جمهوري أيضا هو والده شخصيا).

ـ البعد الثاني وقد أشار إليه الكاتب إيتان برونر (الملحق السياسي الأسبوعي - نيويورك تايمز، عدد 10/12/2006) ويتمثل في كراهية شخصية يضمرها ساسة إسرائيل إزاء جيمس بيكر شخصيا وترجع إلى سلوكه أيام كان وزير خارجية بوش - الأب وقد عمد يومها إلى «لجم» تطلعات أو أطماع إسرائيل ورغبتها في استغلال المواقف بالمنطقة وخاصة إبان ملابسات حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت).

ـ البعد الثالث ويتمثل في السلوك الإيراني الراهن ولاسيما استضافة طهران مؤخرا مؤتمرا لتدارس محارق الهولوكوست. ورغم ما أعلنه الجانب الإيراني من إتباع نهج الموضوعية دون الاستباق إلى تأكيد أو رفض حدوث هذه المحارق النازية إلا أن الطرف الإسرائيلي مازال مصرّا على أن مجرد تناول الموضوع أمر يصل إلى نوع من التجديف أو الهرطقة - هل نقول الإلحاد السياسي أو الأخلاقي؟

ـ البعد الأخير نراه متمثلا في مضامين الكتاب الذي أصدره مؤخرا الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بعنوانه الذي بات ذائعا وهو: ـ «سلام فلسطين وليس الفصل العنصري - الأبارثيد».

وهو الكتاب الذي أكدت دوائر الإعلام والسياسة في أميركا أنه أثار وما انفك يثير عواصف من الغضب العارم المستعر (Furor).. كيف لا.. وهو يربط بين سياسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني وبين سياسات الفصل العنصري المقيتة بل البربرية التي كان يتبعها نظام أقلية البوير العنصرية البيضاء بحق الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا؟

كاتب مصري